غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٣٨ - في صحة عقد المكره إذا تعقبه الرضا
بأسا بما ادعاه بعض الأواخر من كون البطلان مقتضى إطلاق بعضهم شرطية الاختيار على وجه يظهر منه انه كالبلوغ و العقل بل عن الخلاف ان طلاق المكره و عتقه و سائر العقود التي يكره عليها لا تقع إجماعا منا و به قال كثير من العامة و قال بعضهم بان طلاقه و عتقه واقع و كذا كل عقد يلحقه فسخه فان لم يلحقه فسخ كالصّلح و البيع و الإجارة انعقد عقدا موقوفا فإن أجازها صحت و الا بطلت هذا و قد يستدل للقول بالصّحة باستظهار الإجماع عليها من جماعة و فهمه من عبارات اخرون بعموم قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الشامل لمحل البحث (أيضا) و لكن لما علمنا مانعية الإكراه عن تأثير العقد شرعا أوقفناه على زواله فإذا زال عمل المقتضى عمله كما في نظائر ذلك بل لو سلم كون الاختيار أو الرّضا من قبيل الشّرط للعقد شرعا لا كون الإكراه مانعا كما هو مقتضى ظاهر قوله (تعالى) إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و الآية المذكورة لا دلالة لها على اشتراط حق الرّضا فتأمل فإنّ ظاهر اللفظة عن؟؟؟ الدلالة على ذلك و يأتي الكلام في مسئلة الفضولي إنشاء اللّه تعالى منه دام ظله العالي فلا نسلم شرطية مقارنته له للأصل و لمساواته للفضولي الثابت بالنص في جامعيّة الشرائط في حال وقوعه عدا الرضا من المالك فإذا تعقبه الرّضا اثر و لزم و لكن قد يفرق بينهما بعدم القصد أصلا و رأسا في المكره بخلاف الفضولي فإنه قاصد للنقل و مريد له قصعا و ان توقف مضيه على رضا المالك و لا يصغى الى دعوى ان الفضولي قاصد للفظ العقد دون مدلوله كالمكره كما لا يصغى الى دعوى ان المكره (مطلقا) قاصد له (أيضا) و مريد له الا ان نفسه غير طيبة به كما ان نفس المالك غير طيبة به في الفضولي فهما سواء في غير طيب النفس بل التحقيق انّ الإكراه يقع على الوجهين من قصد المعنى و انتفاء مجرد طيب النفس (صح) و من عدم قصد منه الا الى اللفظ و الأول يصحّ بالرّضا للاحق دون الثاني و الفرق قابلية الأول له دون الأخير و لعل المراد بلفظ الموثوق بعبارته في كلام المحقق (رحمه الله) هو القسم الأول و هو ما قصد به المعنى فتدبر ثم انّه قد يستشكل في التمسّك بالآية بأن المأمور به انما هي العقود المعهودة المتعارفة في زمن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فلا بد من إثبات ان العقد الذي أوقعه المكره بعد زوال العذر برضا كان معهودا في ذلك الزمان حتى تشمله الآية إذ ما لم يكن معهودا يقع الشك في شمول الخطاب له و توجهه اليه و يجاب بان العلم بذلك لا يلزم ان يكون تفصيلا بالاطلاع على أحوال زمانه على وجه الخصوص لإمكان حصول العلم بغير ذلك الوجه و هو تداول الفتوى بصحة عقد المكره بعد رضاه في كتب فقهائنا (رضي الله عنه) فيعلم من ذلك كون مثل ذلك معهودا في زمانه (تعالى) لأنهم لا يفتون الا عن خبرة
قوله و ان انتصر لهم بعض من تأخر عنهم بقوله (تعالى) إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ الدال على اعتبار كون العقد عن التراضي مضافا الى النبوي المشهور الدال على رفع حكم الإكراه
و قال بعض المعاصرين انه قد يستدل على الثاني يعنى على عدم صحة عقد المكره بالرضا اللاحق بالأصول و بحديث رفع القلم بناء على عمومه لذلك كما سبق لظهوره في اتحاد المرفوع عن الصبي و المكره و نحوهما و بعدم الفرق بين الجميع و بعدم القصد حال العقد مع ظهور النصوص و غيرها في اعتبار مقارنته له بل قد يدعى انتفاء اسم العقد بانتفائه إذ ليس هو اسما للفظه على كل حال و بعدم الرضا حاله مع ظهور الكتاب و السّنة في اعتبار مقارنته له (أيضا) أو في اعتبارها في مفهومه الى غير ذلك و لكن في الجميع نظر انتهى أقول لم يجمع بين الصبي و المكره في حديث رفع القلم فان حديث رفع القلم كما حكاه فيما تقدم من كلامه هو قوله (عليه السلام) رفع القلم عن ثلاثة عن الصّبي حتى يبلغ و عن النائم حتى يستيقظ و عن المجنون حتى يفيق و مثله غيره و الحديث النبوي المصدر بقوله رفع عن أمتي تسعة غير مشتمل على المجنون و الصّبي فلا وجه لتقريب الاستدلال بان المرفوع عن الصبي إذا كان هو بطلان معاملته على وجه (صح) لا يصحها الرضا اللاحق فكذا في المكره اللّهم الا ان يدعى ان سياق الحديثين واحد فإذا كان المرفوع عن الصّبي هو الصّحة على الوجه المذكور كان المرفوع عن المكره (أيضا) ذلك (فتأمل) ثم لا يخفى عليك سقوط الجميع امّا الأوّل فلارتفاعه بالدليل و قد عرفت التمسّك بقوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و امّا الثاني فلانه على تقدير تسليم اجتماع المكره و الصّبي و المجنون في حديث واحد لا يلزم من اشتراكها في الرفع اتحاد كيفية الرفع و الجامع عدم صحة العقد في حال وقوعه على وجه يترتب عليه جميع الآثار و لا ينافيه الاختلاف في الكيفية بان يترتب على أحدها حكم الصحة بلحوق الرّضا دون الأخر و مع وقوعها في اخبار متعددة يكون عدم لزوم اشتراكها في اتحاد الكيفية بطريق الاولى و امّا الثالث و هو عدم الفرق بين الجميع فلم يقع إلا في كلام بعضهم و ليس مما وقع الإجماع عليه و لا حجة في كلام البعض و كلامنا انما هو في مقابلة من يدعيه فالتمسّك به مصادرة و امّا الرابع و هو عدم القصد حال العقد فلانه خارج عن مفروض البحث فان من يحكم بالصّحة بعد لحوق الرّضا و الإجازة انما يحكم بها مع كون المكره قاصدا الى معنى اللفظ و مفهومه غاية ما في الباب انّه لم يطب بذلك نفسه و من هنا قيل فإنه لعلّ النزاع موضوعي أو لفظي بين الأكثر أو الجميع كما يومي اليه مع التدبر في أدلّة الطرفين تقييد بعضهم الصحّة بان لا يبلغ الى الخلو عن القصد و فهم المعنى و قول صاحب الجواهر (رحمه الله) مع كونه من المانعين انه لو فرض تصور قصد المكره للمعنى مع عدم الرّضا به و قلنا بأن الإكراه على اللفظ لا يخربه عن قابلية التأثير جرى عليه حكم الفضولي بل و كذا لو كان مختارا و صرّح بالقصد دون الرضا بناء على إمكان انفكاكهما و لعلّ منه بيع التلجئة و لا ريب و كونه (حينئذ) كالفضولي الى ان قال و لعلّ إطلاق الأصحاب الصّحة في المكره مبنى على غلبة هذه الصورة انتهى و امّا الخامس فللمنع من ظهور الكتاب و السنة في اعتبار مقارنة الرضا و ستعرف عدم دلالة قوله (تعالى) إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ على انحصار طريق الحل في كون العقد مسبوقا بالرّضا
قوله مؤيدا بالنقض بالهازل مع انهم لم يقولوا بصحته بعد لحوق الرّضا
قال في (المسالك) في ذيل كلامه لكن يبقى في هذا كله اشكال من وجه أخر و هو ان الهازل قد حكموا بفساد عقده و لم يذكر و لزومه و لو لحقه الرّضا به و ظاهر حالة انه قاصد الى اللفظ دون مدلوله لانه بالغ عاقل فاللازم (حينئذ) اما إلحاقه بالمكره في لزوم عقده مع لحوق الرّضا أو إبداء الفرق بكونه غير قاصد للفظ و فيه تأمل انتهى و غرضه (رحمه الله) انه إذا لم يصحّ عقد الهازل بحكمهم لم يصح عقد المكره و يمكن دفعه بان الهازل قاصد الى اللفظ دون المعنى بخلاف المكره (صح) فإنه قاصد الى المعنى غير مقرون بطيب النفس به
قوله و الكل كما ترى لأن دلالة الآية على اعتبار وقوع العقد عن التراضي اما بمفهوم الحصر و اما بمفهوم الوصف و لا حصر كما لا يخفى لان الاستثناء منقطع غير مفرّغ
لا يخفى ان اشترط سبق الرّضا على العقد لا يتم إلا بدلالة الآية على الحصر بان يكون الإباحة الناشئة من الاستثناء من النهى المفيد للتحريم منحصرة في التجارة الناشئة عن الرضا بمعنى كونه مسبوقا و مقرونا بها حتى تخرج التجارة الملحوقة بالرضا عن حكم الإباحة فلا يؤثر في صحتها فتقى محكوما عليها بالحرمة و (المصنف) (رحمه الله) قد منع من دلالتها على الحصر مستندا الى ان الاستثناء منقطع غير مفرّغ و ظاهر كلامه (رحمه الله) ان كلا من القيدين له دخل في منع الحصر فلو كان الاستثناء متصلا أفاد الحصر كما ان المنقطع لو كان مفرغا أفاد الحصر فهنا دعويان إحديهما ان الاستثناء المنقطع الغير المفرغ لا يفيد الحصر و الأخرى ان الاستثناء المنقطع المفرغ يفيد الحصر أما الأولى فالوجه فيها هو ان الحصر يتألف من عقدين إيجابي بالنسبة إلى موضوع و سلبي بالنسبة الى ما عداه فإذا قال المتكلم ما جائني القوم الا زيد كان افادته للحصر من جهة انّه نفى المجيء عن القوم الشامل له و لغيره ثم إذا أثبته لزيد حصل من ذلك نفى المجيء عما عدا زيد من افراد القوم و ثبوته له فانحصر المجيء من بين القوم في زيد و قس عليه الحال في قولنا جائني القوم الا زيد الان الاستثناء من النفي إثبات و بالعكس على ما هو المشهور المعروف و افاده الاستثناء للحصر مبنى عليه و هذا لا يجري في مثل ما جائني القوم إلا حمار أو ذلك لان أصل الكلام انما أفاد نفى المجيء عن القوم و الاستثناء انما أفاد إثبات المجيء للحمار و لا يتأتى من مجموع المستثنى