غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٠٩ - في أن المعتبر في قيمة المثل يوم الدفع
وجب عليه القيمة يوم الإقباض لا يوم الإعواز و لو اعوض فحكم الحاكم بالقيمة فزادت أو نقصت لم يلزم ما حكم به الحاكم و حكم بالقيمة وقت تسليمها لان الثابت في الذمة انما هو المثل و قال الشيخ (رحمه الله) يكون له المطالبة بقيمة يوم القبض و لا اعتبار بحكم الحاكم و للشافعية في القيمة المعتبرة عشرة أوجه أحدها انّه أقصى قيمة من يوم الغصب الى يوم التلف و لا اعتبار بزيادة قيمة أمثاله بعد تلفه كما في المقومات و لان المثل جاز في الوجوب مجرى المغصوب فإذا تعذر صار بمنزلة تلف المغصوب و المغصوب إذا وجبت قيمته وجب أكثر ما كان من حين الغصب الى حين التلف و ثانيهما أنه قصي قيمة من وقت تلف المغصوب إلى الإعواز لأن المثل هو الواجب الا انه لما فقد تعذر الوصول اليه فينظر الى قيمته من وقت وجوبه الى التعذر و ربما بنى هذان الوجهان على ان الواجب عند إعواز المثل قيمته المغصوب لأنه الذي تلف على المالك أو قيمته المثل لانه الواجب عند التلف و انما رجعنا إلى القيمة لتعذره و فيه وجهان لبعض الشافعية ان قلنا بالأول اعتبرنا بالأقصى من الغصب الى وقت تلف المغصوب لان المثل (حينئذ) يجب الى وقت الانقطاع و الإعواز و ثالثها و هو الأصحّ عندهم القيمة المعتبرة أقصى القيم من يوم الغصب الى يوم الإعواز لأن وجود المثل كبقاء عين المغصوب من حيث انه كان مأمورا بتسليم المثل كما كان مأمورا برد العين فإذا لم يفعل عزم أقصى قيمته في المدتين كما ان المتقومات تضمن بأقصى قيمتها لهذا المعنى و لا نظر الى ما بعد انقطاع المثل كما لا نظر الى ما بعد تلف المغصوب من المتقوم و رابعها أقصى القيم من وقت الغصب الى وقت تغريم القيمة و المطالبة بها لان المثل لا يسقط بالإعواز ألا ترى ان المغصوب منه لو صبر الى وجدان المثل ملك المطالبة به و انما المصير إلى القيمة عند تغريمها و خامسها إنها أقصى القيم من وقت الانقطاع المثل و إعوازه إلى وقت المطالبة بالقيمة لأن الإعواز وقت الحاجة الى العدول إلى القيمة فتعين الأقصى من يومئذ و سادسها إنها أقصى القيم من وقت تلف المغصوب الى وقت المطالبته لان الضمان يومئذ يجب و سابعها ان الاعتبار بقيمة اليوم الذي تلف فيه المغصوب و ثامنها ان الاعتبار بقيمة يوم الإعواز لأنه وقت العدول إلى القيمة و تاسعها و به قال أبو حنيفة و مالك ان اعتبار بقيمة يوم المطالبة لأن الإعواز (حينئذ) يظهر و يتحقق و قد يبدل لفظ المطالبة و التغريم بالحكم بالقيمة و المرجع بهما إلى شيء واحد و عاشرها انه ان كان منقطعا في جميع البلاد فالاعتبار بقيمة يوم الإعواز و ان فقد في تلك البقعة فالاعتبار بقيمته يوم الحكم بالقيمة و قال بعضهم المعتبر قيمة يوم أخذ القيمة لا يوم المطالبة و لا يوم التلف و قال أبو حنيفة الاعتبار بقيمة يوم المطالبة و القبض و هو الوجه عندي و قال احمد بالوجه الثامن و لو غصب مثليا فتلف و المثل مفقود فالقياس ان يجب على الوجه الأول و الثالث أقصى القيم من يوم الغصب الى التلف و على الثاني و السابع و الثامن قيمة يوم التلف و ان يعود الرابع و السادس و التاسع بحالها و على الخامس أقصى القيم من يوم التلف الى يوم التغريم و لو أتلف مثليا على انسان من غير غصب و إثبات يد عليه و كان المثل موجودا فلم يسلمه حتى فقد فعلى الوجه الأول يجب قيمة يوم الإتلاف و على الثاني و الثالث أقصى القيم من يوم الإتلاف إلى الإعواز و على الرابع من يوم الإتلاف إلى التقويم و القياس عود الوجوه السابقة و لو أتلفه و المثل مفقودة فالقياس ان يقال على الوجه الأوّل و الثاني و الثالث و السابع و الثامن تجب قيمته يوم الإتلاف و على الرابع و الخامس و السادس أقصى القيم من يوم الإتلاف إلى يوم التّغريم و على التاسع قيمة يوم التغريم و على العاشر ان كان منقطعا في جميع البلاد وجب قيمته يوم الإتلاف و الا فقيمة يوم التغريم و مهما عزم الغاصب أو المتلف القيمة لإعواز المثل ثم وجد المثل هل للمالك رد القيمة و طلب المثل الأقرب المنع لبراءة ذمة الغاصب بأداء بدل المثل فلا تعود الذمة مشغولة بالمبدل كما لو صام الفقير عن الكفارة ثم استطاع العتق بخلاف ما لو غرم قيمة العبد ثم وجد لأن القيمة ليست بدلا عن العبد حقيقة و انما هي مأخوذة للحيلولة و لان العبد عين حق المغصوب منه و المثل بدل حقه
و لا يلزم من تمكين المال من الرجوع الى عين حقه تمكينه من الرجوع الى بدل حقه انتهى
قوله و اما ان نقول بصيرورته قيميّا عند الإعواز
كان الاولى في التعبير ان يقول و اما ان نقول بالانتقال إلى القيمة عند الإعواز و ذلك لان الضمير المضاف اليه اما ان يعود الى المثل كما هو ظاهر مساق العبارة أو الى المغصوب و على كل من التقديرين لا مجال لإجراء الاحتمالين فيه من القول بان المثل ينقلب قيميا و القول بان المغصوب انقلب قيميا لان ذلك مثل تقسيم الشيء إلى نفسه و الى غيره بل هو عينه في المعنى و اما ما ذكرناه من الانتقال إلى القيمة فمفهومه أمر عام صالح لان يذكر في مقابل الاستقرار المثلي في الذمة إلى أو ان الفراغ قابل لإجراء الاحتمالين المذكورين فيه و يمكن توجيه العبارة بأن (يقال) ان الضمير يعود إلى المثلي و ان المراد بصيرورة المثل قيميا معنى عام و هو تبدله بالقيمة أعم من ان تكون القيمة بدلا عنه بنفسه أو بدلا عما هو بدل عنه و بهذا المعنى قابل للتقسيم الى القسمين فتدبر
قوله فإذا صار كذلك فاما ان نقول ان المثل المستقر في الذمة قيمي
(انتهى) محصله ان المثل المستقر في الذمة انقلب قيميا بتعذر عينه و لهذا قابله بقوله و اما ان نقول ان المغصوب انقلب قيميا بعد ان كان مثليا و هذا و ان كان خلاف ظاهرا الجملة الاسمية التي هي اسم ان و خبرها و غير ملائم لفظة لو في قوله بمعنى انه لو تلف وجب قيمته الا انه هو المراد قطعا كما لا يخفى على من التفت الى ما هو المقصود بالكلام و تأمل في قوله و اما ان نقول بصيرورته قيميا عند الإعواز و قوله فإذا صار كذلك فان لفظ الصيرورة يدل على ما بيناه
قوله فان جعلنا الاعتبار في القيمي بيوم التلف كما هو أحد الأقوال في المسئلة
اعلم انهم بعد ما حكموا في القيمي بضمان القيمة اختلفوا في القيمة المضمونة إن اختلفت بحسب الأزمنة على أربعة أقوال أحدها ان المضمون قيمة يوم الغصب و حكى القول به عن موضع من (المبسوط) و اختاره المحقق (رحمه الله) في النافع و نسبته في (الشرائع) إلى الأكثر و ان أنكر صحة النسبة في (الرياض) و ثانيها ان المضمون قيمة يوم التلف و حكى القول به عن القاضي و العلامة في (المختلف) و في (الرياض) انه نسبه في الدّروس إلى الأكثر و ثالثها ان المضمون أعلى القيم عن حين الغصب الى حين التلف و حكى القول به عن الشيخ (رحمه الله) في (النهاية) و (الخلاف) و موضع من (المبسوط) و ابن حمزة و ابن إدريس و غيرهم و في (الرياض) عن (المختلف) و التنقيح وصفه بأنه أشهر و رابعها ان المضمون أعلى القيم من حين الغصب الى حين الرد و حكى القول به عن المحقق (رحمه الله) في أحد قوليه و عن المولى المحقق البهبهاني (رحمه الله) في حاشية شرح الإرشاد و هذا القول يصحّ ان يصير مبنى لاحتمال