غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٨١ - الكلام في مدرك القاعدة
ما أهمنا من كلامه (رحمه الله) و كيف كان فالدّليلان اللذان تمسّك بهما للقاعدة للمناقشة فيهما مجال كما أشار إليها (المصنف) (رحمه الله) في الكتاب
قوله اللهمّ الا ان يستدل على الضمان فيها بما دلّ على احترام مال المسلم
مثل ما في (التذكرة) بطريق العامة عن جابر ان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال في خطبة يوم النحر دماؤكم و أموالكم حرام كحرمة يومكم هذا من شهركم هذا و عن ابى بكر ان النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال في خطبة يوم النحر ان دماؤكم و أموالكم و أعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا و أورد بعض من تأخر بأن الخبرين و أمثالهما إنما يستفاد منها حرمة التصرّف في مال المسلم أو امّا انّه بعد التصرف مضمون فلا ثمّ انه استدرك صحّة الاستدلال بها في المنافع المستوفاة و الأعمال التي وقعت من المسلم لغيره لتمسكهم بقاعدة احترام عمل المسلم و ماله فيها و استدلال (المصنف) (رحمه الله) في هذا المقام فهو في محله
قوله و انه لا يحل الا عن طيب نفسه
مثل ما في (المبسوط) مرسلا عن انس عن النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال لا يحل مال امرء مسلم الا عن طيب نفس منه و أورد عليه بعض من تأخر بأن هذا الخبر و ما في معناه لا يدل الا على ان التصرّف في مال المسلم بدون اذنه محرّم منع عنه (الشارع) و امّا انه بعد التصرّف مضمون على المتصرّف بمعنى انه يجب عليه رد بدله من مثل أو قيمة فلا دلالة فيه على ذلك و لعل وجه الاستدلال به هو ان حله بعد تلفه عبارة عن سقوطه عن ذمته و أنت خبير بأنه بعد التلف ينتفي الموضوع للحكم المذكور في الحديث لأنه ينتفي ماله المضاف اليه فلا يبقى مال مضاف الى المسلم حتى لا يحل الا بطيب نفس منه فوجوب ردّ بدله يحتاج الى دليل أخر (فتأمل)
قوله و ان حرمة ماله كحرمة دمه
في (المبسوط) انه روى الأعمش عن ابى و إبل عن عبد اللّه بن مسعود ان النّبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) قال حرمة مال المسلم كحرمة دمه و لكن في دلالته على الضمان نظر لان دلالته عليه موقوفة على ارادة التشبيه فيما يترتب على اراقة دم المسلم من المقاصة بأن يراد ان دم المسلم كما لا يبطل (كذلك) ماله لا يتلف بغير ضمان عوضه و هذا غير منساق منه و انما المساق ان احترام مال المسلم من حيث حرمة الاقدام على اكله بغير حق كحرمة دمه من حيث حرمة إراقته بغير حقّ و يؤيد هذا ان الشّيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) ذكر الخبر المذكور في عداد ما استدل به على حرمة الغصب و يؤيده (أيضا) الخبران المذكوران من طريق العامة في (التذكرة) المتقدم ذكرهما و وجه التأييد أنه شبه فيهما حرمة الدماء و الأموال بحرمة يوم النحر و معلوم ان يوم النحر لا ضمان له مضافا الى ما في الثاني منهما من الجمع بينها و بين الاعراض التي لا ضمان فيها
قوله و انه لا يصحّ ذهاب حق أحد
أورد عليه بعض من تأخر بأن المراد بذهاب الحق كون التصرف فيه و الابتداء باستباحته مرخصا فيه و اين هذا من الضمان أقول الإنصاف ان اضافة الذهاب إلى الحق بخصوصه تقتضي ان حق أحد إذا ثبت على ذمة غيره فان ذلك الحق لا يصح ذهابه و بطلانه و فواته بغير عوض و على هذا يدلّ على الضمان ثمّ لا يخفى عليك ان قول (المصنف) (رحمه الله) و انه لا يحل الا عن طيب نفسه و ان حرمة ماله كحرمة دمه و انه لا يصحّ ذهاب حق أحد بمجموعه عطف على قوله احترام مال المسلم على وجه التفسير و ذلك لان احترام مال المسلم كلى و هذه المفاهيم الثلاثة المدلول عليها بالاخبار عينه ففي الحقيقة أراد (المصنف) (رحمه الله) التمسّك للمنافع و الأعمال المضمونة بدليلين قاعدة احترام مال المسلم و أدلة نفى الضرر و لذا ثناهما في عبارته الآتية فقال لقاعدتي الاحترام و نفى الضرار فافهم
قوله مضافا الى أدلة نفى الضّرر فكلّ عمل وقع من عامل لأحد بحيث يقع بأمره و تحصيلا لغرضه فلا بد من أداء عوضه لقاعدتي الاحترام و نفى الضّرار
لا يخفى عليك انّه (رحمه الله) لهذا البيان خصّ مورد قاعدتي الاحترام و نفى الضرار في الأعمال بما إذا وقعت بأمر من يراد تغريمه و لتحصيل غرضه و وجهه واضح إذ لو لم يصدر منه الأمر و لم يتعلق غرضه بصدوره من الفاعل لم يصدق عليه انه أضر العامل و لا انه ترك احترام عمل المسلم فلا يشمل موردهما مثل السّبق في المسابقة الفاسدة فهما أخص من قاعدة كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده كما ان قاعدة اليد أخصّ منها باعتبار اختصاص هذه بالأعيان و عموم تلك القاعدة لها و لغيرها من المنافع و الأعمال المستأجر عليها و غيرها و احتمال ضم عدم القول بالفصل إليهما أو الى قاعدة اليد و نحوهما مدفوع بعدم ثبوته كما لا يخفى على المتتبع لمواردها فقد حكم كثير منهم في كثير منها بعدم الضمان في الفاسد و قد عرفت من (المسالك) انها لا دليل عليها كلية بل النزاع واقع في بعض مواردها فكل ما لا إجماع أو نحوه على ضمانه فالأصل بخلافها فتحصل مما ذكرناه ان دليل القاعدة بالنسبة إلى المنافع و الأعمال أخصّ من نفس القاعدة لجريانها بمفهومها في الأعمال التي لم يأمر بها الطرف الأخر من العقد و لم يستوفها كما في المسابقة الفاسدة مع ان قاعدتي احترام مال المسلم و نفى الضرار لا تجريان فيه و قد وقع الخلاف في المسابقة الفاسدة كما أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) بقوله فقد تخلفت القاعدة فيها بمعنى انه وقع الخلاف فيها مع كونها من موارد القاعدة و الخلاف في المورد مناف للاتفاق على نفس القاعدة الا ان يلتزم بالغفلة و هو بعيد بل نقول ان التحقيق ان قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده قضيته متنزعة من أحكام الموارد التي دل الدليل فيها على الضمان و ليست بنفسها مما قام عليه الدليل و ان ادعى عليه الإجماع في شرح (القواعد) فيما عرفت مما تقدم الا ان مثل هذه القاعدة مما لم ينطق به أحد قبل العلامة (قدس سرّه) و غاية ما هناك انه صدر من الشيخ (قدس سرّه) اشارة تصلح للحمل على ارادتها لا يمكن فيه تحقق الإجماع فكل مورد قام على الضمان فيه دليل تحكم به اعتمادا على ذلك الدليل دون القاعدة و كل مورد لم يقم عليه فيه الدّليل لا نحكم به
قوله (رحمه الله) فيبقى عليه ما ذكر سابقا من النقض و الاعتراض
النقض عبارة عما افاده من كون النسبة بين مورد التعليل الّذي هو الاقدام و بين الضمان هي العموم من وجه و الاعتراض عبارة عمّا ذكره من ان الاقدام انما هو على نحو خاص و هو التراضي بالعوض المخصوص و اين ذلك من الضمان بالمثل أو القيمة مما هو مغاير لما أقدما عليه
قوله ثم انه لا فرق فيما ذكرنا من الضمان في الفاسد بين جهل الدافع بالفساد و بين علمه مع جهل القابض
(انتهى) هذا التعميم ناظر إلى أصل المسئلة و هو ضمان المبيع بالبيع الفاسد و توضيح الحال انه لا (يخلو) اما ان يكون البائع و المشترى كلاهما عالمين بالفساد أو جاهلين أو يكون البائع جاهلا به و المشترى عالما أو يكون الأمر بالعكس فيكون البائع عالما و المشترى جاهلا و (المشهور) هو الحكم بالضمان في الصور الأربع كلها و ان تلف بغير تفريط لقوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتى تؤدى و هو يعمها بأسرها و قد يتمسك بقاعدة الإقدام على ان يكون مضمونا عليه فيحكم عليه بالضمان و بقاعدة ان كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و هما ايضا على تقدير التعويل عليها يجريان في الصّور كلها بل في (الجواهر) انه يظهر من إطلاقهم و معقد إجماعهم ما صرّح به شيخنا في شرحه و الفاضل في الرّياض من عدم الفرق فيما