غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٧٧ - الكلام في معنى القاعدة
على كذا فلا بدّ من القبول ان لم يسبق منها السؤال فإنه اقتداء و بمنزلة المعاوضة لا يتم الا برضا الطرفين فان سبق السؤال منها وجب ان يقع الإيجاب عقيبه بلا فصل فيكون السّؤال بمنزلة القبول و كأنه لا خلاف في ذلك و يدل عليه الأصل و ظواهر الاخبار و كونه طلاق و امّا الاتصال فلئلا ينطرق احتمال رجوعها عما رضيت به من العوض و لا ينحصر لفظ السّؤال في شيء و لعل السر في انحصار اللّفظ من طرفه دونها لزومه من طرفه دونها انتهى و هذا الكلام يستفاد منه أمران أحدهما انه بمنزلة المعاوضة و ليس معاوضة حقيقة و قد صرّح في مسئلة مخالفتها على عين مستحقة بأنه ليس معاوضة حقيقة محضة و ثانيهما انه لازم من طرف الزّوج جائز من طرف الزوجة و قد أشار إليه في (الروضة) حيث عرفه بأنه طلاق بعوض مقصود لازم لجهة الزّوج و في (الروضة) و في صحته يعنى بذل الفدية من المتبرّع بالبذل من ماله قولان أقربهما المنع لان الخلع من عقود المعاوضات فلا يجوز لزوم العوض لغير صاحب المعوض الى ان قال و وجه الصّحة أنه اقتداء و هو جائز من الأجنبي كما تقع الجعالة منه على الفعل لغيره و ان كان طلاقا هذا ما أهمنا من كلامه و هو يعطي ان لهم فيه وجهين و ان لم يتحقق لنا ان لهم فيه قولين على الطرفين من كونه عقدا عند بعض و إيقاعا عند أخر و مثله ما في كشف اللثام عن العلامة (قدس سرّه) في (إلخ) قال بعد قوله في (القواعد) نعم لو رجعت هي في البذل جاز له الرجوع في العدّة كما دلت عليه الاخبار و (الظاهر) انه لا خلاف فيه و لكن قال ابن حمزة (رحمه الله) امّا أطلقا أو قيدت المرأة بالرّجوع فيما افتدت و الرّجل بالرجوع في بعضها و كلاهما جائز فإن أطلقا لم يكن لأحدهما الرّجوع بحال الا برضا الأخر و ان قيدا لم (يخلو) اما لزمتها العدة أو لم تلزم فان لزمتها جاز له الرّجوع ما لم تخرج عن العدّة فإن خرجت منها أو لم يلزم العدة لم يكن لهما الرجوع الا بعقد جديد و مهر مستأنف و نفى عنه البأس في (المختلف) بناء على انه معاوضة فلا بد من التراضي انتهى و في كشف اللثام ايضا و هل يصحّ البذل من المتبرع الأقرب المنع وفاقا للشيخ (قدس سرّه) و غيره لخروجه عن معنى الخلع فإنما أضيف الاقتداء في الآية و الاخبار إليها و يحتمل الصحة بناء على ان البذل ليس الا اقتداء أو جعالة و ما يوقعه الزوج ليس إلا إيقاعا و يجوز الاقتداء من غير المفدي و الجعالة كما يجوز التزام مال ليعتق عبده أو يطلق زوجته هذا ما أهمنا نقله من كلامه و من تأمل فيه و فيما قبله من عبارة (الروضة) اتضح له جهة كون الخلع إيقاعا لان البذل في الخلع ان كان من قبيل الجعالة التي لا بد و ان تكون في مقابل عمل من المجعول له و هو هنا عبارة عن ازالة قيد النكاح فلا يكون الخلع إلا عبارة عن ازالة قيد النكاح التي هي إيقاع محض و لا يبقى وجه لكونه عقدا حتى على القول بكون الجعالة عقدا ضرورة انه من قبيل متعلق الجعالة (حينئذ) لا نفسها و كذا الافتداء فإنه من المرأة عبارة عن إعطائها زوجها ما لا حتى تتخلص منه قال في المجمع قدت المرأة نفسها من زوجها و اقتدت أعطت ما لا حتى تخلصت منه بالطلاق و مع فرض كون ما يوقعه الزوج ليس إلا إيقاعا كما وقع في كلامه (رحمه الله) لا يكون الاقتداء إلا عبارة عن مجرّد البذل لداعي إيراث ميل المبذول له إلى الإقدام على العمل المطلوب فلا يكون بذل عوض حتى يكون المجموع من بذلها و طلاق الزّوج عقدا و قد أوضح هذا المعنى غاية الإيضاح بتمثيله بما لو التزم رجل ما لا لرجل ليعتق عبده أو يطلق زوجته فان ذلك لا يصير بذل عوض و انما بذل لداعي حصول الرغبة لمن بيده الأمر فيما يريده منه فكما ان عتق العبد في الصورة المفروضة و طلاق الزوجة فيها ليسا الا من قبيل الإيقاع و لا يخرجان الى الاتصاف بكونهما من قبيل العقود (كذلك) الحال في الخلع بعد كون البذل فيه افتداء على ما أوضحناه و كما ان المجموع من بذل الباذل و عتق صاحبه لعبده أو تطليقه زوجته لا يصير عقدا (كذلك) المجموع من بذل الزوجة و تطليق الزّوج لا يصير عقدا و من جميع ما ذكرنا ظهر انه لو لم يكن الالتزام بأن الجعالة و الخلع من قبيل الإيقاع
أقوى فلا أقل من اشتمالهما على شائبته أو كونهما أقرب إليه كما افاده (المصنف) (رحمه الله) فتدبر
قوله و المراد بالضمان في الجملتين هو كون درك المضمون عليه بمعنى كون خسارته و دركه في ماله الأصلي فإذا تلف وقع نقصان فيه لوجوب تداركه منه و اما مجرّد كون تلفه في ملكه بحيث يتلف مملوكا له كما يتوهم فليس هذا معنى للضمان أصلا فلا (يقال) ان الإنسان ضامن لأمواله
اعلم ان لفظ الضمان في الفاسد ممّا لا اشكال فيه و امّا الضمان في الصّحيح فقد فسره العالم الجليل الشيخ على (رحمه الله) في حواشي (الروضة) بكون تلفه من مال من أريد تعلق الضّمان به في القاعدة قال فيما علقه على عبارة القاعدة معنى قولهم في القاعدة كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده كل عقد يضمن المال أو الشيء فيه بسبب كونه صحيحا يضمن بسبب كونه فاسدا بمضي ان صحة العقد ان كانت سببا للضمان كانّ الفساد كذلك فالبيع الصحيح مثلا سبب في كون المبيع إذا تلف كان من مال المشترى فكذا البيع الفاسد و ما لا يضمن بصحيحة كالعارية و مال المضاربة الوديعة و نحو ذلك فان صحيح مثله لا يوجب الضمان فكذا فاسده انتهى و هذا هو الّذي أشار (المصنف) (رحمه الله) الى دفعه بقوله اما مجرد كون تلفه في ملكه بحيث يتلف مملوكا له كما يتوهم فليس هذا معنى للضمان (انتهى) و زعم بعض من تأخر ان صاحب (الجواهر) (رحمه الله) قد فسر الضمان بكون تلفه في ملكه و انه (المقصود) بتعريض (المصنف) (رحمه الله) و ستقف على حقيقة الحال (إن شاء الله) (تعالى) ثمّ ان ذلك البعض اعترض على (المصنف) (رحمه الله) بان تفسير الضّمان بما ذكره لا (يخلو) من احتمالين أحدهما ان المشترى بالعقد الصّحيح إذا تلف عنده المبيع كان ضامنا له بماله الأصلي يعني الثمن الذي كان سابقا من مال المشترى فالمراد بضمان العقد الصّحيح هو وجوب أداء ما كان مالا له سابقا عند تلف المبيع بإزاء ما كان ملكا للبائع سابقا و هو المبيع الذي هو ملك المشترى بالفعل فتسمية وجوب أداء الثمن الذي ليس من ماله بالفعل في مقابل المبيع الذي هو ماله بالفعل ضمانا انما هو باعتبار الحالة السّابعة بمعنى (صح) وجوب دفع ما كان مالا له سابقا في مقابل التالف الذي كان في الزمن السابق مالا للبائع ثانيهما ان التعبير بالضمان ليس باعتبار ملاحظة الحالة السابقة كما كان في سابقا بل باعتبار دفع ما هو ماله الأصلي في مقابل ما هو ماله بالفعل فالمراد بالضّمان وجوب أداء ما هو من ماله الأصلي يعني الثّمن في مقابل ماله الفعلي الذي هو المبيع فيصير مآل التعبير بالضمان الى دفع مال في مقابل مال و لا وجه لشيء منهما امّا الأوّل فلأنه يتجه عليه أمران الأول ان دفع ما كان مالا للدافع سابقا مع خروجه عن ملكه بالفعل الى ملك المدفوع إليه في مقابل ما كان مالا للمدفوع اليه سابقا مع خروجه عن ملكه بالفعل الى ملك الدافع ليس من معنى الضّمان حقيقة بل هذا أداء الدين في الحقيقة لأنه