غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٧٩ - الأول اللزوم مطلقا
و غرض حصول العلم و بقاء المال للوارث بعد موت البائع و أبعد من ذلك اشتراط العربيّة و الماضوية من غير نقل خلاف و بالجملة ما نرى له دليلا قويا الا انّه مشهور و قال بعض الأصحاب يجب التوقف معه و ذلك غير واضح الدّليل و الاحتياط حسن مع الإمكان و لكن إذا وقع من غير الصّيغة قد يشكل العمل بالاحتياط نعم ينبغي الملاحظة في الأمور و عدم الخروج عن الاحتياط علما و عملا ثمّ ظاهر كلام المفيد (قدس سرّه) هو اللزوم بهذا الوجه و وجهه ان هذا العقد أفاد الملك و الأصل فيه هو اللّزوم و بهذا يثبت اللّزوم في العقود و لا دليل عليه غيره و هو ظاهر و لانّ (الظّاهر) ان كل من يقول بأنّه عقد حقيقي يقول باللّزوم و لان مقتضى عقد البيع الحقيقي هو اللّزوم بالاتفاق و لأنّه إذا حصل الملك لشخص فخروجه و إخراجه عنه يحتاج الى دليل و لا دليل فيه و الأصل عدمه و لما مرّ انّهم يقولون باللّزوم بعد التّلف و انه دليل اللزوم قبله إذ اللّزوم بالتلف بعيد و يحتمل عدم اللزوم لأن الأصل عدم اللّزوم و الملك أعم و لان الملك و اللزوم متغايران و ما كانا و قد دلت الأدلة على حصول الأوّل و بقي الثاني على نفيه إذ لا دليل عليه و ما لزم من الأدلة المذكورة إلا الأول فتأمّل و قد يترائى ان الأوّل أولى فإن زوال الملك بعد الحصول يحتاج الى الدّليل و (لظاهر) بعض ما مرّ إذا عرفت هذا فاعلم انّ النّزاع بين القائل بأن المعاطاة مفيدة للملك و ليس بعقد و القائل بأنّه عقد يرجع الى اللّفظي إلا باعتبار اللّزوم و عدمه و ينبغي ان لا ينازع بل يقول عقد غير لازم مع ان (الظاهر) اللّزوم بعد تحقق الملك فلا ينبغي النّزاع و ان ما ذكرناه جار في سائر العقود و ليس بمخصوص بالبيع و لعل العلم حاصل بان الهدايا و التحف و الهبّات التي كانت في زمانه (صلى الله عليه و آله و سلم) و زمانهم (عليه السلام) بالنّسبة إليهم و الى غيرهم و كذا ما كانت في زمان الصّحابة و العلماء كانت تقع من غير صيغة و كانوا يتصرفون فيها تصرّف الملاك مثل البيع و الهبة و الوطي و العتق في حيوة المهدى و الواهب و بعد مماتهم ايضا و الا لنقل و لو نادرا من طريق العامة و الخاصّة و لو بسند ضعيف مع ان (الظاهر) في نقل مثله التّواتر و لهذا لم يقبل البعض في مثله الا التّواتر و هو مؤيّد لما قلناه هذا و قد جعلها بعضهم مثل المعاطاة و قالوا بأنها تفيد الإباحة فقط لا الملك و بعضهم انها تفيد الملك لا اللزوم و يلزم بالتلف و نحوه مع انه ليس بعقد و البعض جعلها عقدا فاسدا و نقل رجوع القائل عنه و المفيد جعلها عقدا حقيقيّا و قد عرفت الكل و (الظاهر) هو الأخير و الإباحة فقط بعيدة و أبعد منه كونه عقدا فاسدا لا يجوز التصرّف لما مر من جواز التصرّف و غيره نعم الملك محتمل و لكن لا ينبغي (حينئذ) النّزاع في انه عقد إذ لا سبب للملك (حينئذ) إلا العقد بقصد المتعاقدين و في نفس الأمر و القول بأن التراضي و التّسليم مع ما يدل عليه مفيد له و هو الملك و ان ليس ذلك بعقد بغير دليل بعيد لأنا ما نريد من البيع و العقد الا ما يفيد الملك على وجه التراضي مع ما يدل عليه بالقصد ثم (الظاهر) من الملك اللزوم فلا ينبغي النّزاع انتهى و قال في المفاتيح و (الظاهر) ان مجرّد التراضي و التقابض كاف في صحة البيع بشرط ان يكون هناك قرينة تدلّ على كونه بيعا بحيث يرتفع الاشتباه و لا يبقى لهما مجال التنازع في ذلك و هو قد يحصل بلفظ من الطّرفين يدل عليه كبعت أو ملكت أو نحو ذلك في الإيجاب و اشتريت و قبلت و نحوهما في القبول و قد يحصل بغير ذلك كالفعل باليد أخذا و تسليما مع القرائن وفاقا لشيخنا المفيد (قدس سرّه) لإطلاق النّصوص من الكتاب و السنة الدّالة على حلّ البيع و انعقاده من غير تقييد بصيغة خاصّة مع عدم دليل أخر عليه و تكليف فهمه من لفظ البيع من قبيل الألغاز و التّعمية الغير اللائق بالشارع و اللفظ لم يكن سببا للنقل بعينه بل لدلالته و الفعل (أيضا) دال على المقصود دلالة مستمرة في العادة فانضم اليه مسيس الحاجة و سيرة الأولين فإن المشترى كان يجيء إلى بيّاع الحنطة و يقول له بكم تبيع منّا منها فيقول بدرهم فيعطيه
الدّرهم و يأخذ منّا منها من غير لفظ أخر يجري بينهما و قد يكون السعر معهودا بينهما فلا يحتاج الى الجواب و السّؤال فإن مثل هذا الفعل صريح في البيع لا يحتمل غيره خصوصا إذا كان البياع انما جلس في دكانه للبيع لا للهبة و الإعارة و الإيداع و غير ذلك و الاحتمال البعيد لا يقدح في مثله فإنه وارد في اللفظ ايضا دال على المقصود دلالة مستمرة في العادة فانضم الى هذا مع اطراد جميع العادات بقبول الهدايا من غير إيجاب و قبول لفظيين مع التصرّف فيها و اى فرق بين ان يكون فيه عوض أو لا إذا لم يرد به الشرع إذا الملك لا بد من نقله في الهبة أيضا و (كذلك) القول في سائر العقود خلافا (للمشهور) بل كاد يكون إجماعا حيث أوجبوا في العقود جميعا لفظا دالا على الإيجاب و أخر على القبول الى ان قال و الأحوط الإتيان بالقول الصّريح فيما له خطر و لا سيما مع اعتضاده بأصالة بقاء ملكية كل واحد لما له الى ان يعلم الناقل انتهى و بالتأمّل في كلامهما يظهر سقوط ما ذكره بعض من تأخر في عنوان مسئلة المعاطاة حيث قال لا إشكال في عدم تحقق العقد بالنيّة و الرّضا خلافا للشيخ المفيد (رحمه الله) و المحقق الأردبيلي و المحدّث الكاشاني حيث قالوا يتحقق العقد بالرّضا و كذا لا يحصل بغير النيّة و الرّضا من الأفعال الّتي تحقق النّهى عن العقد بها كالمنابذة و اللمس و رمى الحصاة خلافا لبعض العامة حيث قال بتحققه بها و ان وقع النّهى عنها في الشّرع و اما التقابض و التعاطي بمعنى إعطاء كل من اثنين عوضا عمّا يأخذه من الأخر (فالمشهور) المعروف عدم حصوله به ايضا خلافا لمن تقدّم خلافه في الرّضا و امّا حصول البيع به ففيه خلاف هذا و وجه السّقوط انهما لم يحكما بكون العقد يتحقق بمجرّد الرّضا و النيّة و انّما حكما بتحققه بالرّضا و التعاطي معا و لذلك حكينا الكلامين بطولهما الا ترى الى ما ذكره المحقق المذكور في أول كلامه حيث قال بل يكفى كل ما يدلّ على قصد ذلك مع الإقباض و في أخر كلامه حيث قال لأنا ما نريد من البيع و العقد الا ما يفيد الملك على وجه التراضي مع ما يدلّ عليه بالقصد و ما ذكره المحدّث المذكور من قوله و قد يحصل بغير ذلك كالفعل باليد أخذا و تسليما مع القرائن بل ظاهر أوائل كلامه لا يعطي إلا وقوع البيع بالقصد و التعاطي دون العقد فلا نستفيد تحقق العقد بالتّعاطي مع القصد الا من قوله و (كذلك) القول في سائر العقود خلافا (للمشهور) حيث أوجبوا في العقود جميعا لفظا دالا على الإيجاب و أخر دالا على القبول و ما أبعد ما بين ما نسبه ذلك البعض إلى هؤلاء الاعلام و بين ما ذكره بعض المعاصرين أيده اللّه تعالى حيث قال لا نعرف خلافا في اعتبار اللّفظ في تحقق العقد (مطلقا) أو في اللازم منه خاصّة بل ظاهرهم الإجماع عليه بل ربما ادعى في اللازم صريحا و احتمل أو جزم بان عليه ضرورة المذهب أو الدّين بل ربما ادّعى تواتر النّصوص