غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٣٢ - و من شرائط المتعاقدين الاختيار
التذكرة من بيع التلجئة و لا ريب في كونه (حينئذ) كالفضولي ثم قال (رحمه الله) فالمتجه بناء البحث على ذلك فالمكره القاصد للفظ و مدلوله على نحو سائر أفعال العقلاء كالمكره على الأكل و الشرب و نحوهما حكمه حكم الفضولي و المكره الذي قد جرد نفسه عن قصد العقد بما يتلفظ به على وجه لم يصدر منه الا اللفظ الصّرف باطل و ان تعقبه الرضا بعد ذلك لفوات القصد و لعلّ إطلاق الأصحاب الصّحة في المكره مبنى على غلبة كونه بالمعنى الأوّل ضرورة عدم منافاة الإكراه لذلك انتهى و مما ذكرنا تعرف غرابة ما ذكره الشهيد (رحمه الله) في (الدروس) حيث قال بعد اشتراط الاختيار في المتعاقدين ما لفظه فعقد المكره باطل الا ان يرضى بعد الإكراه و الأقرب ان الرضا كاف فيمن قصد الى اللفظ دون مدلوله فلو اكره حتى ارتفع قصده لم يؤثر الرضا كالسكران انتهى و مثله ما افاده الشهيد الثاني (رحمه الله) في الروضة في توجيه صحة عقد المكره ان رضى به بعد زوال إكراهه بقوله لانه بالغ رشيد قاصد الى اللفظ دون مدلوله و انما منع عدم الرّضا فإذا زال المانع اثر العقد كعقد الفضولي حيث انتفى القصد اليه من مالكه مع تحقق القصد الى اللفظ في الجملة فلما ألحقته اجازة المالك أثرت و لا يعتبر مقارنته للعقد للأصل بخلاف العقد المسلوب بالأصل كعبارة الصّبي فلا يجيره اجازة الولي و لا رضاه بعد بلوغه انتهى و ذلك لان اللفظ الخالي من القصد لا يكون عقدا فكيف جعلاه منه مضافا الى ان اللفظ الخالي عن المعنى غير قابل للرضا به و لحوق الإمضاء له غير معقول و مفروضهما انّما هو قصد المكره الى اللفظ دون المعنى فتدبر مضافا الى ما أورده في جامع المقاصد على الأول بعد ذكره بقوله و ليس لهذا معنى محصّل فإن الإكراه لا يبلغ مرتبة يصير به في اللفظ كالسكران إذ ليس هو من الأفعال التي يحدثها المكره على سبيل الإلجاء كما لو و جر الطعام في فيه أو أخذ يده فوضع فيها سكينا ثم قبضها بيده و قطع بالسّكين شيئا فإنه لا فعل له (حينئذ) امّا الإكراه على اللفظ فلا يكون الا على وجه واحد و الفرق ان حركات اللسان التي يتحقق النطق بها غير مقدورة و الفرق بينه و بين السّكران ظاهر فإنه لا أهلية له أصلا لانتفاء حضور عقله بخلاف المكره فإن أهليته بحالها و انما المانع عدم رضاه انتهى و لكن الإنصاف ان هذا الإيراد غير متجه لان ارتفاع قصده الى اللفظ بالإكراه لا ينحصر فيما كان من قبيل ما لو وجر في حلقه الطعام حتى يكون من قبيل فعل الغير حتى يقال ان مثل ذلك في التلفظ غير معقول بل قد يقترن الإكراه بالضّرب و الإيلام و المنع من الطعام و الشراب و النوم و تلقينه اللفظ في مثل تلك الحالة فيتلفظ به غير قاصد اليه كالسكران و مثل ذلك ليس شيئا منكرا و لا امرا عزيزا هذا و قد علم من جميع ما ذكرنا ان قصد المعنى من اللفظ غير الرّضا به و ان ما يجوز ان يتأخر عن العقد و يقترن به انما هو الثاني دون الأوّل فإنه لا بد من اقترانه بالعقد ثم ان من جملة ما يؤيد ما بنى عليه (المصنف) (رحمه الله) من كون مرادهم بالإكراه انتفاء طيب النفس لا عدم قصد المعنى من اللفظ انّهم قيدوا المكره بكون إكراهه بغير حق و حكموا بصحة عقد من اكره بحق فان هذا لا يتم مع قصد اللفظ بدون المعنى ضرورة ان لا اتر له بدونه
قوله مضافا الى الاخبار الواردة في طلاق المكره
منها ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سالته عن طلاق المكره و عتقه فقال ليس طلاقه بطلاق و لا عتقه بعتق فقلت انى و جل تاجر أمرّ بالعشار و معى مال فقال غيبه ما استطعت وضعه مواضعه فقلت فإن حلفني بالطلاق و العتاق فقال احلف له ثم أخذ تمرة فحفر بها من زبد كان قدامه فقال ما أبالي حلفت لهم بالطلاق و العتاق أو أكلها و منها ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول لو ان رجلا مسلما مر بقوم ليسوا بسلطان فقهروه حتى يتخوّف على نفسه ان يعتق أو يطلق ففعل لم يكن عليه شيء و منها ما رواه يحيى بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول لا يجوز طلاق في استكراه و لا تجوز يمين في قطعية رحم الى ان قال و انما الطلاق ما أريد به الطلاق من غير استكراه و لا إضرار الحديث
قوله بل يظهر ذلك من بعض كلمات العلامة (رحمه الله)
لعله إشارة الى ما سيحكيه (المصنف) (رحمه الله) من الفرع عن التحرير و يحتمل كونه إشارة الى ما استشهد به صاحب الجواهر (رحمه الله) عن عبارة التذكرة المشتملة على حكم البيع التلجئة و لكن الإنصاف ان تلك العبارة لا يظهر منها عدم القصد الى المعنى و ذلك لأنه (رحمه الله) قال الاختيار شرط في المتعاقدين فلا يصحّ بيع المكره و لا شرائه لقوله (تعالى) إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ و في معنى الإكراه بيع التلجئة و هو ان يخاف ان يأخذ الظالم ملكه فيواطئ رجلا على إظهار شرائه منه و لا يريد بيعا حقيقيا ذهب إليه علماؤنا اجمع و به قال احمد و أبو يوسف و محمّد لأنهما لم يقصدا البيع و كانا كالهازلين و قال أبو حنيفة و الشافعي يصحّ بيع التلجئة لانه تم بأركانه و شروطه خاليا عن مقارنة مفسد فصحّ كما لو اتفقا على شرط فاسد ثم عقدا بغير شرط و نمنع المقدمات و كذا القصد شرط في البيع إجماعا انتهى و ذلك لانه يحتمل ان يكون المراد بقوله و لا يريد بيعا حقيقيا انه لا يريد وقوع المفهوم في الخارج لعدم طيب نفسه به حتى صار كالكذب في الاخبار و كذا المراد بقوله لأنهما لم يقصدا البيع و تشبيههما بالهازل يقتضي قصدهما الى المعنى كما في الهازل بل نقول ان الظاهر من العبارة ان بيع المكره ليس خاليا عن القصد لانه استدل على بطلانه بانتفاء الرّضا لا بانتفاء القصد الى مفهوم اللفظ و لانه صرّح باشتراط القصد في ذيل كلامه مستقلا و ذلك دليل على المغايرة و لانه ذكر ان أبا حنيفة و الشافعي يصححان بيع المتلجئة و لو كان مما لا قصد فيه الى مفهوم اللفظ أصلا لم يكن وجه لحكمهما بصحته
قوله و ليس مرادهم
(انتهى) لا يخفى بعد التوجيه
قوله و انه لا طلاق الّا مع ارادة الطلاق
عطف على طلاق المكره يعنى استدلالهم بالأخبار الواردة في أنه لإطلاق إلا مع ارادة الطلاق و قد عقد في الوسائل لهذه الاخبار بابا مفردا عن باب عدم صحة طلاق المكره و عنونه بأنه يشترط في صحة الطلاق القصد و ارادة الطلاق و الا لبطل و ذكر منها رواية زرارة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال لا طلاق الا ما أريد به الطلاق و رواية اليسع قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في حديث و لو ان رجلا طلق على سنة و على طهر من غير جماع و اشهد و لم ينو الطلاق لم يكن طلاقه طلاقا
قوله و فيما ورد فيمن طلق مداراة
إشارة الى ما رواه منصور بن يونس قال سالت العبد الصالح (عليه السلام) و هو بالعريض فقلت له جعلت فداك انى تزوجت امرأة و كانت تحبني فتزوجت عليها أنبه خالي و قد كان لي من المرأة ولد فرجعت الى بغداد فطلقتها واحدة ثم راجعتها ثم طلقتها الثانية ثم راجعتها ثم خرجت من عندها أريد سفري هذا حتى إذا كنت بالكوفة أردت النظر إلى أنبه خالي فقالت أختي و خالتي لا تنظر إليها و اللّه ابدا حتى تطلق فلانه فقلت و يحكم و اللّه مالي إلى طلاقها من سبيل فقال لي هو ما شأنك ليس لك الى طلاقها من سبيل فقلت انه كانت لي منها أنبه و كانت ببغداد و كانت هذه بالكوفة و خرجت من عندها قبل ذلك بأربع