غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣١٤ - في بيان محل الاستشهاد من صحيحة أبي ولاد
المعوّل عليه في المقام انما هي البراءة و مقتضاها لزوم أقل القيم من حين القبض الى حين التلف الا انه يبقى هنا اشكال و هو ان لزوم ذلك دون غير مخالف لجميع الأقوال المأثورة في المسئلة و يمكن دفعه بان تحقق الإجماع المركب المستلزم لنفى ما عدا ما تحقق من الأقوال ممنوع لاستناد كل منهم الى وجه اعتباري ناظر إلى إثبات مدعاه و لم يعلم من حالهم نفى ما زاد على الأقوال و يمكن دفعه بوجه أخر على تقدير تحقق الإجماع المركب بما ذهب اليه صاحب الفصول (رحمه الله) من انه إذا لزم من العمل بالأصول مخالفة العلم الإجمالي فلا بأس بذلك لكونه حكما ظاهريا و مخالفة الحكم الظاهري للواقع و لما هو المعلوم إجمالا غير قادحة و إذ قد عرفت ذلك فلنذكر حجج الأقوال و ان تقدم الإشارة إلى بعضها فحجة القول الأول ان الضمان قبل التلف أمر معلّق لا تنجز له و انما يتنجز بالتلف و حجة القول الثاني انه كما ان أصل العين مضمون (كذلك) زيادتها و مقتضى الاشتغال وجوب الخروج عن العهدة و ان القابض للمبيع بالبيع الفاسد كالغاصب المأخوذ بأشق الأحوال و حجة القول الثالث ان يوم القبض وقت تعلق الخطاب بالخروج عن العهدة و ان كان ترتيبا فالقبض هو السّبب في الضمان فيعتبر وقته مضافا الى خبر البغل المتمّم بعدم القول بالفصل بين مورده الذي هو الغصب و بين المقام و حجة القول الرابع ان المضمون لا بد و ان يكون أمرا متأصلا متسلطا عليه و ليس إلا الزيادة العينية و اما زيادة القيمة السّوقية فهي أمر اعتباري فلا تضمن مضافا الى دعوى دلالة خبر البغل عليه و حجة القول الخامس ان ضمان القيمي انما هو بالمثل ابتداء و بتعذره عند الأداء ينتقل إلى القيمة فلا بد من اعتبار وقت الانتقال إلى القيمة و حجة القول السادس اما على ضمان قيمة يوم البيع في غير ما استثناه القائل فهي حجة القائل بلزوم قيمة يوم القبض و اما على وجوب اتباع حكم المشترى لو حكم بالأكثر و اتباع حكم البائع لو حكم بالأقل فهي ان الحق إليهما فيصح منهما البذل و العفو
[في بيان محل الاستشهاد من صحيحة أبي ولاد]
قوله اما بإضافة القيمة المضافة إلى البغل اليه ثانيا يعني قيمة يوم المخالفة للبغل فيكون إسقاط حرف التعريف من البغل للإضافة
محصّل هذا الوجه بعد ملاحظة حكمه بإضافة القيمة المضافة إلى البغل الى يوم المخالفة ثانيا و ملاحظة ان إسقاط حرف التعريف من البغل للإضافة هو ان المضاف و المضاف اليه بعد اعتبار إضافة الأول إلى الثاني أضيفا إلى يوم المخالفة و ليس في كلمات النحاة تنبيه على ذلك بل هو مما يأباه كلماتهم كما لا يخفى على من تدبر
قوله و اما ما احتمله جماعة من تعلق الظرف بقوله نعم القائم مقام قوله (عليه السلام) يلزمك يعنى يلزمك يوم المخالفة قيمة بغل
فيكون هذه الفقرة على هذا التقدير ساكتة عن تعيين كون قيمة البغل عبارة عن قيمة يوم المخالفة أو قيمة يوم التلف أو على القيم أو غير ذلك و انما تفيد ثبوت اللزوم في يوم المخالفة من دون افادة أمر أخر ثم ان الاحتمال المذكور مما قد عثرت عليه في مفتاح الكرامة و الجواهر و المستند و غيرها قال في الجواهر بعد الاستدلال في الصّحيح لضمان قيمة يوم الغصب ما لفظه و فيه احتمال تعلق الظرف بالفعل المدلول عليه بقوله نعم فيكون المراد يلزمك يوم المخالفة قيمة البغل لو عطب بمعنى انها تتعلق بك ذلك اليوم و (حينئذ) فحدّ القيمة غير مبين فيه فلا ينافي ما دل على القيمة يوم التلف الذي عرفت انه الأصحّ انتهى
قوله لأن السائل إنما سئل عما يلزمه بعد التلف بسبب المخالفة بعد العلم بكون زمان المخالفة زمان حدوث الضمان كما يدلّ عليه أ رأيت لو عطب البغل أو نفق أ ليس كان يلزمني فقوله نعم يعنى يلزمك بعد التلف بسبب المخالفة قيمة بغل يوم خالفته
أما دلالة قوله أ ليس كان يلزمني ذلك على علم المتكلم الذي هو السائل باللزوم عليه بعد التلف بسبب المخالفة فلا اشكال فيه لان مثل هذا الاستفهام انما يقع في مقام العلم بثبوت ما تعلق به أداة النفي الواقعة في خير الاستفهام كما في قوله (تعالى) أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ و لهذا يقع هذا النوع من الاستفهام في مقام التقرير و اما ان السائل قد سئل عما يلزمه بعد التلف بسبب المخالفة بعد العلم بكون زمان المخالفة زمان حدوث الضمان (فالظاهر) انه انما استفاده (رحمه الله) من كون أصل اللزوم معلوما فلا يبقى وجه للسئول عنه فيجب صرفه إلى السؤال عما يلزم من حيث ان السؤال عن أصل اللزوم بعد العلم به لغو و (لكنك) خبير بان لفظ السؤال لا يساعد على تعلقه بما يلزم أصلا و انما هو مسوق لاستعلام أصل اللزوم ضرورة ان الضمير في قوله ا ليس كان يلزمني يعود الى البغل و المعنى أ لم يكن البغل يلزمني على تقدير التلف بسبب المخالفة و معنى لزومه انما هو لزوم قيمته فيصير السؤال سؤالا عن نفس لزوم القيمة لا سؤالا عن تعيين اللازم لعدم دلالة اللفظ على ذلك أصلا نعم لو كان الفاعل للفعل ما وقع التردد بين كونه فاعلا و بين كون غيره فاعلا كما لو قال ا قام زيد أو أ ليس قام زيدا فيما لو كان أصل صدور القيام من فاعل مسلما و كما في قوله (تعالى) أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ الواقع في مقام التقرير بكون اللّه تعالى هو ربهم بعد معلومية ان لهم ربا صح توجه الاستفهام على وجه التقرير أو غيره الى تعيين الفاعل و لكن ليست عبارة الحديث على هذا المنوال إذ ليس هناك تردد بين لزوم البغل بالمعنى الذي عرفت و بين لزوم غيره نعم لو كان السائل قد قال أ ليس كان يلزمني قيمة يوم المخالفة كان مجال لان يقال ان السؤال عن تعيين اللازم من جهة تردده بين قيمة يوم المخالفة و بين قيمة يوم التلف و غيرهما و كذا لو كان السائل قد قال فما الذي يلزمني كان سؤالا عن اللازم ثم ان النكتة في التعبير في السؤال بعبارة العالم بالمسئول عنه هو ان السائل لما كان قد سمع من أبي حنيفة قوله فخالف فركبه الى النيل و الى بغداد فضمن فيه البغل و أسقط الكراء و قد سمع من المعصوم (عليه السلام) بطلان حكمه بسقوط الكراء وقع في نفسه وسوسة من نفس ضمان البغل فأراد تقرير ما قد علم سابقا بعد حصول الوسوسة في قلبه فسئل بقوله ا ليس كان يلزمني و غاية ما في الباب ان المعصوم (عليه السلام) أفاد تقرير المسول عنه مع زيادة التفضل ببيان تعيين القيمة الّتي تلزمه و لا مانع منه عقلا و لا عرفا كما لا يخفى على من له خبرة بأساليب الكلام و لكن لا يخفى عليك انا لا ننكر مع ذلك ظهور كون قوله (عليه السلام) يوم خالفته قيدا للقيمة و النكتة في تنكير لفظ بغل المضاف اليه لفظ القيمة هو الجريان على المتعارف من ان القيمة للشيء التالف أو غيره انما يستعملها أهل الخبرة بقياسه إلى أمثاله و الا فالشيء الخاص الذي هو جزئي حقيقي ليس له قيمة مرسومة مقررة عندهم و محصّل المقال في هذا المقام هو ان الفقرة المذكورة من الحديث ظاهرة فيكون المناط هي قيمته يوم المخالفة الذي هو يوم الغصب و هذا هو الذي يجب الأخذ به لكونه مدلول الخبر الصّحيح الظاهر في المطلوب و قد افتى به جماعة بل قيل ان القائلين بهذا القول هم الأكثر و لا عبرة بالقواعد العامة مع ورود الخبر