غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٠٢ - الكلام في تعريف المثلي و القيمي
التي يعمّ بها البلوى ما يزيد عليه في شدة الحاجة اليه و مع ذلك أطلق الشارع الضمان في كثير عن الموارد كالمغصوبات و الأمانات و غيرها و لم يتعرض لبيان ان الضمان بالمثل أو بالقيمة أو بغيرهما فيعلم من ذلك انه (عليه السلام) حيث قال على اليد ما أخذت حتى تؤدى أحال أمر رعيّته على ما هو المتعارف بينهم مما يضمنون و يضمنون به و من المعلوم من عادتهم الجارية على مر الدهور المستقرّ عليها سيرتهم ان من أتلف شيئا من مال غيره ثم ادّى ما يماثله و مع تعذره ادى قيمة التالف رضى المالك بذلك و كف عن المطالبة كائنا ما كان المال المتلف من قيمي على مصطلح الفقهاء أو مثلي و حيث ثبت للناس عادة مستقرة و طريقة مستمرة و لم يصدر من الشارع بيان ما يخالفها كان للازم اتباعها و الا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة و هذه قاعدة كلّية سارية في كل ما ثبت للناس طريقة مستمرة و لم يبين الشارع خلافها مع الحاجة الى البيان فيتبع الا ان يأتي من قبل الشارع مخرج عنه و كذا الحال في سائر الأخبار المطلقة الناطقة بالضمان بل لنا ان نقول انه يستفاد ما قررناه من لفظ الشارع الذي هو من قبيل الموضوع المستنبط دون الموضوع الصرف و ذلك لأنا إذا عرضنا قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتى تؤدى على أهل التعارف لم يفهموا منه الأداء ما يماثله من جميع الجهات على ما وصفناه ابتدأ و مع تعذره فاللازم أداء القيمة فقوله (عليه السلام) حتى تؤدى يفيد ذلك بدلالته العرفية لأن ما ذكر أقرب شيء إلى التالف في المقامين بحيث يمكن ان يقال عرفا انه هو عين ذلك التالف بل يمكن ان يقال انه بعد البناء على كون الحديث مسوقا لبيان ضمان المتلف بخصوصه أو لبيان ما يشمله بان يكون مسوقا لبيان رد ما هو باق في يده و رد بدل التالف جميعا لا يعقل بالنسبة إلى التالف إلا إرادة ما هو أقرب إليه بحسب المقام الذي يلزمه الخروج عن عهدة التالف لان قوله (عليه السلام) حتى تؤدى قد حذف منه الضمير المنصوب العائد الى الموصول الذي هو عبارة عن المال المقبوض هذا و على هذا القياس الآيات الواردة في هذا الباب لاشتمالها على لفظ المثل الذي لا بد من ان يحمل على ما هو مماثل لذلك الشيء التالف في كل مقام بحسبه من المثل أو القيمة عند تعذره دون ما هو المصطلح عليه فيما بين الفقهاء (رضي الله عنه) قال اللّه (تعالى) فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ و قال (تعالى) وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ و قال (تعالى) وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا و دعوى ان ما مصدرية أو انها موصولة و لكنها عبارة عن المعنى المصدري خلاف (الظاهر) مضافا الى ان يمكن الاستدلال على ما ادعيناه من ضمان المثلي بمثله بقوله (عليه السلام) الميسور لا يسقط بالمعسور بل يمكن الاستدلال به على ضمان ماله مثل من القيمي (أيضا) بمثله كما هو الحال في سائر الأدلّة المذكورة هذا و ربما يستأنس لذلك بما أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) من فتوى جماعة منهم الشّهيدان (رحمه الله) في (الدروس) و (المسالك) بجواز رد العين المقترضة إذا كانت قيميّة و بما افاده كلام المحقق (رحمه الله) في كتاب القرض من (الشرائع) حيث قال و كل ما يتساوى اجزاؤه يثبت في الذمة مثله كالحنطة و الشعير و الذهب و الفضة و ما ليس (كذلك) يثبت في الذمة قيمته وقت التسليم و لو قيل يثبت مثله (أيضا) كان حسنا انتهى و لهذا نسب إليه في محكي (الدروس) و (المسالك) الميل الى كون ضمان القيمي بالمثل بل في الثاني انه لعله افتى به و بما استقر به في التذكرة من ضمان القيمي المنضبط بالوصف بمثله فإنه (رحمه الله) فصل بينه و بين غير المنضبط بالوصف قال (رحمه الله) مال القرض ان كان مثليا رد مثله إجماعا فإن تعذر المثل وجب رد قيمته عند المطالبة و ان لم يكن مثليا فان كان مما ينضبط بالوصف و هو ما يصحّ السّلف فيه كالحيوان و الثياب فالأقرب أنه يضمنه بمثله من حيث الصّورة لأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) استقرض بكرا فرد بازلا و البكر الفتى من الإبل و البازل الذي تم له ثمان سنين انتهى و بما افتى به فقهاؤنا من جواز إقراض الخبز و ثبوت مثله في الذمة قال في التذكرة يجوز إقراض الخبز عند علمائنا و هو أحد قولي الشافع و به قال أبو يوسف و محمّد و احمد بن حنبل
للحاجة العامة اليه و اطباق الناس و لان صباح بن سيابة سئل الصّادق (عليه السلام) انا نستقرض الخبز من الجيران فيه أصغر و أكبر فقال (عليه السلام) نحن نستقرض الجوز الستين و السّبعين عددا و فيه الصّغير و الكبير فلا بأس الى ان قال يجوز رد مثله عددا أو وزنا انتهى و لا يخفى عليك ان صحة الفرض في مثل الخبز تعطي ان الأمر في القرض أوسع من السّلم لعدم صحّة الإسلاف في الخبز مع صحة القرض فيه ثم ان هذه و ان كانت مما ثبت بالنص الا ان المستفاد منه هو ان الشارع قد اكتفى بالمثل العرفي حتى فيما هو من قبيل القيمي عند الفقهاء و ليس في نظره مثل خاص و بما ذكره المحقق (رحمه الله) في كتاب الصّلح من انه لو أتلف رجل ثوبا قيمته درهم فصالحه عنه على درهمين أو أقل صحّ على الأشبه لأن الصّلح وقع عن الثوب لا عن الدرهم انتهى و قد فهم منه الشهيد الثاني (رحمه الله) تبعا لجامع المقاصد و الدروس كون ضمان القيمي بالمثل فيكون الثابت في الذمة ثوبا و يكون هو متعلق الصّلح دون الدّرهم حتّى يلزم الربا من معاوضته بالدرهمين و ان كان صاحب الجواهر (رحمه الله) ذكر ما يعطى المنع من دلالة العبارة على ما فهموه في شرحها و بما ذهب إليه جماعة من فقهائنا من انه لو أتلف القيمي لزمه دفع قيمة يوم الأداء لا قيمة يوم التلف و هذا لا يتم الا بان يقول بضمان القيمي بالمثل حتى يبقى المثل على ذمته فينتقل إلى القيمة يوم الأداء و الا أمكن ان يقال ان الانتقال إلى القيمة يحصل بمجرد التلف فيلزمه أداء قيمة يوم التلف دون غيره هذا و يؤيد ما ذكرناه كلام العلامة (رحمه الله) في التذكرة الذي حكيناه في ذيل ما اخترناه من تحديد المثلي و بينا انه يلوح منه ذلك فراجع و ان كان ذلك الكلام مسوقا لوجوب المثل في المثلي و القيمة في القيمي و هو خلاف ما نحن بصدده هنا من وجوب المثل (مطلقا) الا ان كلام في نفسه حق و ان كان الغرض الذي دعاه الى هذا الكلام لا يترتب عليه فافهم و يظهر اثر ما ذكرناه في المثل من اعتبار التساوي في القيمة (أيضا) فيما لو زاد أو نقص القيمة بتفاوت الأزمنة أو الأمكنة كما لو أتلف ماء غيره في طريق مكة و أراد دفع ما يساويه في المقدار في شاطئ الفرات أو دجلة مثلا فإنه لا يكون مثله على ما ذكرناه بخلاف ما ذكره الأصحاب فإنه يعد مثلا له و حاصل جميع الأدلة المتقدمة كون التلف (مطلقا) مثليا كان التالف أم قيميّا موجبا للضمان بالمماثل في جميع الصّفات سواء كانت من الصّفات الموجبة لزيادة القيمة أم كانت مما يوجب مجرد الكمال في الموصوف و كذا في القيمة و يجعل هذا أصلا في المقام يتمسّك به في موارد الشك ممّا لم يقم إجماع على كون المضمون فيه القيمة هذا و لكن يشكل الأمر بأن الالتزام بمقتضى الأصل المذكور خلاف الإجماع لإجماعهم على ان القيمي إذا اتفق له مماثل ليس الحكم فيه ضمانه بمماثله