غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٠١ - الكلام في تعريف المثلي و القيمي
من أتلف عبد غيره مثلا ا يلزمه دفع عبد بدلا عما أتلفه كيفما كان العبد بعد كونه من مصاديق مسمّى هذا الاسم أم يلزمه دفع عبد مساو لما أتلفه في الأوصاف و الخواص و رغبة الناس كان من موارد البراءة و الاشتغال و ليس الحال في المقام على هذا المنوال بل الأمر هنا دائر بين وجوب دفع عبد مساو لما أتلفه فيما ذكر و بين دفع القيمة التي هي من قبيل النقد و هما متباينان بالضرورة فلا يكون أحدهما موافقا لأصل الاشتغال نعم لو أريد البناء على مقتضى الاشتغال لزم الجمع بينهما في الدفع أو تحصيل رضى المالك بما أمكن فيكون مقتضى الأصل في المورد هو دفع المثل و القيمة جميعا أو تحصيل رضى المالك لكن الأول مما لم يقل به أحد بل لإجماع على خلافه لإطباقهم على كفاية أحدهما و (حينئذ) نقول انه بعد ملاحظة الإجماع ان المأمور به انما هو دفع أحدهما و انه ليس الوظيفة هو الجمع بينهما يؤل الأمر إلى أصل البراءة لان مقتضى ما عرفت من المقدمات اعنى ثبوت التكليف بالبدل و ان المقام من قبيل ما دار فيه الأمر بين المتباينين و ان الوظيفة انّما هي أحدهما بحكم الإجماع هو تخير الضامن في دفع أيهما شاء لكن هذا (أيضا) مما قام الإجماع على خلافه و ذلك انهم مطبقون على ان المأمور به انما هو أحدهما معيّنا و ليس هناك تخيير بينهما بشيء من الوجهين و لهذا جعل (المصنف) (رحمه الله) الأصل تخيير المالك لأصالة عدم براءة ذمة الضامن بدفع ما لا يرضى به المالك ثم أضاف إليه التمسك بعموم قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتى تؤدى ثم قوى ان الأصل هو تخيير المالك قبل إبطال براءة ذمة الضامن بقيام الإجماع على خلافها نظرا الى ان ذمته قد اشتغلت بحق المالك الذي ليس من قبيل الأقل و الأكثر حتى مجرى البراءة من الزائد عند الشك فلا يخرج عن عهدة حقه الا برضاه فإن رضي بالمثل كان هو المخرج و ان رضى بالقيمة كانت هي الموجبة للخروج عن عهدة حقه فلا يبقى مجال الأصالة براءة ذمته لما عرفت من عدم الشك في الزيادة بعد تحقق القدر المتيقن فتدبر
قوله نعم يمكن ان يقال بعد عدم الدليل لترجيح أحد الأقوال و الإجماع على عدم تخيير المالك بالتخيير في الأداء
(انتهى) قد يقال انه (رحمه الله) أراد انه بعد ملاحظة كون الشبهة في أصل المسئلة في الحكم نظر الى ان حكم اللّه فيها غير معلوم من جهة عدم إمكان الترجيح بين الأقوال ان مقتضى الأصل هو تخيير المجتهد من باب الاضطرار كما فيما قام الإجماع بين الأمة على أحد القولين و لم يقم على أحدهما بخصوصه دليل فإنه يتخير من باب الاضطرار بحكم العقل فيختار أحدهما و يفتي به في حق مقلده لا انّ المقلد هو بنفسه مخير بين المثل و القيمة ثمّ يعترض عليه بانا لم نجد في الأموال الحكم بالتخيير في الشرع كما لا يخفى على من لاحظ الفروع السطورة في كتاب الصّلح التي منها ما لو أودع رجل درهمين و أخر درهما عند غيرهما ثم تلف درهم حيث قالوا تبعا للنص انه يقسم بينهما أحد الدرهمين الباقيين و حمل على الصّلح القهري و راجع حكم تعارض البينات فليس فيها حكم بالتخيير بل يحكم بالصّلح أو القرينة مثلا فليس في المقام أصل يعول عليه و أنت خبير بما فيه اما أولا فلأنه قد اشتبه عليه مقصود (المصنف) (رحمه الله) لأنه (رحمه الله) لا يريد ان الأمر يرجع الى المجتهد فيحكم هو بالتخيير و انما أراد انه يمكن ان يقال بتخيير الضامن في الأداء من جهة ان امره دائر بين المحذورين عدم اجزاء المثل بخصوصه و عدم اجزاء القيمة بعينها و لا متيقن يحصل به البراءة للضامن عند عدم التزام المالك بما يدفعه هو فيصير المقام نظير تخيير المجتهد في الفتوى بما يختاره من المحذورين اللذين دار امره بينهما فقوله الإجماع على عدم تخيير المالك معطوف على لفظة عدم المضاف إليها كلمة بعد و قوله بالتخيير متعلق بقوله يقال و معناه تخيير الضامن في الأداء و اما ثانيا فلانا لو سلمنا ان مراد (المصنف) (رحمه الله) هو ما فهمه ذلك القائل لكن نقول ليس محصل ما اعترض به الا الاستقراء و عدم وجدان التخيير و من المقرر في محله ان الاستقراء لا حجة فيه و ان عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود خصوصا في مثل المقام الذي قد وجد ما يصلح موجبا للحكم بالتخيير و هو الاضطرار بعد المقدمات التي ذكرها (المصنف) (رحمه الله) فكيف يقال ان عدم وجدان التخيير في غيره من الموارد لا يدلّ على ان الحكم هنا ليس هو التخيير و امّا ثالثا فلان ما أشار إليه من موارد انما هي من قبيل الشبهات الموضوعية و ما نحن فيه من قبيل الشبهة الحكمية و التخيير في الشبهات الحكمية فوق حد الإحصاء فلا وجه لقياسها على الشبهات الموضوعية في الأموال هذا و لكن يمكن ان يقال ان بناء العلماء في مسائل الحياة التي لا يستفاد أحكامها من النص على الصّلح دون التخيير فتأمل فإن هذا (أيضا) يحتاج إلى إثبات بنائهم عليه بحيث يكون إجماعا و الا فلا حجة فيه مضافا الى انه على تقدير ثبوت الحكم بالإجماع في هذا المورد لا يلزم منه ثبوته في غيره من الموارد فلا بد من إثبات الإجماع على حكم كل واحد منها أو إثبات الإجماع على قاعدة كلية و هي ان ما لم يعلم فيه الحكم من الأموال فلا بد فيه من الصّلح
قوله (فتأمل)
(الظاهر) انه اشارة إلى منع قيام الإجماع على عدم تخيير المالك الذي هو مقدمة من مقدمات مطلوبه الذي هو تخيير الضامن في الأداء
قوله و لكن يمكن ان يقال ان القاعدة المستفادة من إطلاقات الضمان في المغصوبات و الأمانات المفرط فيها و غير ذلك هو الضمان بالمثل لأنه أقرب الى التالف من حيث المالية و الصّفات ثم بعده قيمة التالف من النقدين و شبههما لأنه أقرب من حيث المالية لأن ما عداهما يلاحظ مساواته للتالف بعد إرجاعه إليهما
لما فرغ (رحمه الله) من الإشارة الى الأصل العملي حاول بيان الحال على مقتضى القواعد الشرعيّة و لكن ليس مقتضاها مطابقا لمقتضى الأصل العملي المذكور كما توهمه بعض من تأخر لان مقتضى ذلك انما كان هو التخيير و مقتضى هذه انما هو الترتيب و التدريج بمعنى ان اللازم أولا هو المثل و بعد انتفائه فاللازم قيمة التالف و مما يدل على ان مراده (رحمه الله) ما ذكرناه قوله (رحمه الله) و قد استدل في (المبسوط) على ضمان المثلي بالمثل و القيمي بالقيمة بقوله (تعالى) فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ و تفضيل المقام انه يمكن ان يقال ان اللازم عليه بحسب القواعد الشرعية ابتداء انما هو مماثل المال الشخصي الذي أتلفه من جميع الجهات المعتبرة في المالية و الأوصاف الخاصة المعتبرة عند العقلاء في المرغوبية و القيمة و غيرها سواء كان من قبيل المثلي المتعارف عند الفقهاء الذي جرا؟ اصطلاحهم على تسميته مثليا و هو ما كان بنوعه أو صنفه مماثل أم لا حتى انه لو أتلف العبد ضمنه بمثله ان اتفق له مثل من جميع الجهات مع ان الحيوان (مطلقا) ليس مثليا عندهم و كذا الكتب و البسط و الفرش و الدواب و غير ذلك فالمتلف يضمن ابتداء مماثل ما أتلفه من جميع الجهات الا ما كان ملغى في نظر العقلاء و ذلك لان مسئلة الإتلاف و الضمان أمر يعم به البلوى بل يمكن ان يقال انه ليس في الأمور