غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٢٧ - مقدمة في خصوص ألفاظ عقد البيع
لوازم البيع و الصّلح كما عرفت مما ذكرناه و ممّا ذكره مضافا الى ان مساق الرّواية أيضا يعطي كونها معاوضة خاصّة كما ان اللزوم يستفاد من إلزام المتقبل بالعوض زاد أو نقص و ينبغي ان يعلم ان كون هذه المعاملة مستثناة من المزانبة و المحاقلة يتوقف على كون موضوعهما أعم من البيع و غيره حتى تكون هذه المعاملة المستقلة مستثناة منهما و امّا بناء على اختصاصهما بالبيع فلا تكون هذه مستثناة الا ان تكون هي أيضا بيعا و قد أشار الى ذلك المحقّق الثاني (رحمه الله) فيما حكيناه من كلامه هذه و لا داعي إلى إدراجه في شيء من العناوين المتعارفة كالبيع و الصّلح و نحوهما لان هذا أمر دل عليه النّص و حصر العقود في المتعارفة ممّا لا نصّ عليه و لا دل عليه دليل معتبر و قد عرفت ممّا بيّناه ما في قول (المصنف) (رحمه الله) مع انه لا يخرج عن البيع أو الصّلح أو معاملة ثالثة لازمة عند جماعة لمصير جماعة أخرى إلى كونها معاملة ثالثة جائزة كما عرفت فيصير ذلك ايضا من أطراف الاحتمال فلا يصحّ إطلاق القول بأنّها لا تخرج عن الثلاثة المذكورة مضافا الى ان اختصاص التقبيل من بين سائر أنواع البيع على تقدير كونه نوعا منه بأنه يجوز فيه لفظ قبلت أو اختصاصه من بين أنواع الصّلح على تقدير كونه منها بجوازه فيه لا شهادة فيه على ما رام (المصنف) (رحمه الله) الاستشهاد عليه من تجويزهم وقوع العقد اللّازم بكلّ لفظ دلّ عليه وادي مؤداه و ان قلنا بكونها معاوضة مستقلة فاختصاصها بجواز التقبيل فيها لا يشهد بما هو مقصوده بطريق اولى و لو كان قد استشهد بأنه يستفاد من الرّواية كفاية المقاولة المذكورة فيها و لا تختص بصيغة خاصّة مع انه يستفاد منها لزومها كان أولى في الاستشهاد الا انه لم يكن وافيا بدعوى ان مقصد العلماء ذلك
قوله و جوّز جماعة وقوع النكاح الدائم بلفظ التّمتيع مع انه ليس صريحا فيه
هذا الكلام بإطلاقه غير صحيح لما عرفت ان المحقق الثاني (قدس سرّه) جوّز العقد بلفظ التمتيع لكن بدعوى انه صريح في النكاح لا (مطلقا) بل كل من جوّز العقد به بنى على صراحته و ان من أنكرها منع العقد بها غاية ما في الباب ان يكون قد وقع اشتباه في الصغرى
قوله و لعله لما عرفت من تنافي ما اشتهر بينهم من عدم جواز التعبير بالألفاظ المجازية في العقود اللّازمة مع ما عرفت منهم من الاكتفاء في أكثرها بالألفاظ الغير الموضوعة لذلك العقد جمع المحقق الثاني (قدس سرّه) على ما حكى عنه في باب السّلم و النكاح بين كلماتهم بحمل المجازات الممنوعة على المجازات البعيدة لا و هو جمع حسّ
أقول و قد عرفت حكاية نص كلامه في المقامين فيما علقناه على قول (المصنف) (رحمه الله) و زاد في غاية المراد (انتهى) و لا يخفى على من وقف عليهما ان المحقّق الثاني ليس في مقام توجيه كلام الأصحاب و لا في مقام الجمع بين ما يتراءى فيه التناقض و انّما هو بصدد بيان مختاره في المسئلة نعم هو قابل بان يوجه به كلام من أطلق المنع من المجازات و امّا مثل كلام الفاضل الأصبهاني الّذي تقدم ذكره عند قول (المصنف) (قدس سرّه) اما الكلام من حيث المادة و هو ما ذكره من كون أنت طلاق غير صريح معللا بان لفظ طلاق مصدر و الذات لا توصف بالمصدر إلا إذا تجوز به عن الصّفة فلا يصح ان يوجه بذلك ضرورة أن المصدر المستعمل في معنى الوصف ليس من المجازات البعيدة و كذا ما ذكره في مثل أنت مطلقة أو من المطلقات من انه ظاهر في الخبر و انما يطلق على إنشاء الطّلاق مجازا و ما ذكره من ان الفارق بين أنت طالق و غيره من صيغ الطّلاق انّما هو النّص و الإجماع و الا فالكل مشتركة في كونها حقيقة في الاخبار مجازا في الإنشاء و استحسن بعض من تأخر هذا الجمع (مطلقا) بعد ما أورد على الجمع الذي يذكره (المصنف) (رحمه الله) بما سنذكره (إن شاء الله) و بما ذكرناه من وجه عدم جريانه في مثل كلام الفاضل المذكور يظهر ان إطلاق القول باستحسانه مما لا وجه له بل أقول ان التعرض للجمع بين كلماتهم مما لا وجه له لأنها كلمات مختلفة صدرت من اشخاص لا يجمعهم زمان و لا مكان مع اختلاف مشاربهم بل قد يصدر الكلام من شخص اجتمع مع أخر في زمان واحد من غير اطلاع على مذاق الأخر و لا كلامه كما هو الشائع الغالب في العلماء الّذين جمعهم عصر واحد من عدم فحص عن مذهب الأخر بل عدم الاعتداد و كثيرا يتفق التخالف من هذا الباب فيصير الجمع بين الكلمات ممّا لا يرضى به أربابها و لا داعي إلى التكلف و التمحل في أمثال ذلك فإنها مع إيجابها البعد عن الواقع تؤدّى الى اعوجاج الذّهن و اختلال الطّريقة فلا بد من ملاحظة كل كلام على ما هو عليه و الأخذ بظاهره من دون تخط إلى التأويل ثم ان لذلك البعض كلاما أخر يمكن المناقشة فيه ايضا و هو ان القدر المتيقن في كلمات الأصحاب مما منع استعماله في العقود انما هو استعمال المجازات البعيدة استنادا الى ان الصّراحة التي اعتبروها لا (يخلو) أمرها من احتمالات ثلاثة أحدها ان يكون المراد بها هو كون اللّفظ حقيقة في معنى ذلك العقد مختصة به ثانيها ان يكون المراد بها كون اللّفظ حقيقة فيه (مطلقا) و ان لم يكن مختصّا به بل كان مشتركا بينه و بين غيره لفظا أو معنى و ثالثها ان يكون المراد به عدم احتمال غير المقصود سواء كان بالوضع أم بضميمة القرائن و القدر المتيقن منعه من الجميع انّما هي المجازات البعيدة و ذلك لانّ هنا تقريرين أحدهما ان القدر المتيقن من كلام من منع من استعمال المجاز انما هو منع المجاز البعيد و ان كان كلام بعضهم يعم القريب ايضا و هذا المقدار مسلم ثانيهما ان القدر المتيقن من كلام من اعتبر الصّراحة هو عدم جواز استعمال المجازات البعيدة و هذا لا يتم على إطلاقه لان من يجعل الصّراحة بمعنى عدم احتمال الغير سواء كان بنفسه أم بضميمة القرائن لا موجب للتشكيك في كلامه مع إطلاقه و بيانه للمناط الّذي هو عدم احتمال الغير فإذا كان المجاز البعيد قد اقترن القرائن افادته الصّراحة فقد حصل المناط قطعا و لا مجال للشك من هذه الجهة و لا وجه للأخذ بالمتيقن استنادا إليها نعم يمكن التشكيك من جهة أخرى مثل توقيفية ألفاظ العقود أو كون المراد بالمجاز البعيد ما لم يعهد استعماله و وقع الشّك في جواز استعماله في الكلام من جهة ضعف العلاقة و المناسبة و عدم وقوع استعماله أصلا بحيث يلحق بالغلط و لكنّه (حينئذ) يخرج عن مفروض المقام لان المنع (حينئذ) ليس من جهة عدم الصّراحة بل من جهة كونه مثل الغلط أو عينه و عدم الترخيص في الاستعمال و ان بلغ حدّ الصّراحة بانضمام القرائن المفيدة بلوغ اللّفظ الى تلك المرتبة
قوله و لعل الأحسن منه ان يراد باعتبار الحقائق في العقود اعتبار الدّلالة الوضعية سواء كان اللّفظ الدّال على إنشاء العقد موضوعا له بنفسه أو مستعملا فيه مجازا بقرينة لفظ موضوع أخر ليرجع الإفادة بالأخرة إلى الوضع
(انتهى) لعل وجه احسنية هذا الجمع بالنّسبة الى ما حكاه عن المحقق الثاني (قدس سرّه) ان لهم في عدم كفاية الألفاظ المجازية في العقود عبارتين إحديهما انه لا يجوز التعبير بالألفاظ المجازية و الأخرى أنّه