غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٢٢ - مقدمة في خصوص ألفاظ عقد البيع
القرب ان الإيجاب في البيع يصحّ بكل ما ادى ذلك المعنى المخصوص كما سبق صحته بملكتك كذا بكذا و لا ريب في انّ السّلم أقرب الى البيع من التّمليك لانه شائع في الهبة فإذا انعقد بالأبعد لتأدية المعنى المراد فبالاقرب إذا أداه أولى و يحتمل ضعيفا البطلان لان ذلك مجاز بالنّسبة إلى البيع الّذي ليس سلما و العقود اللّازمة لا تثبت بالمجازات و فيه منع لأنا قد بيّنا ان إيجاب البيع يصحّ بكلّ لفظ ادى ذلك المعنى كملكتك و هذا أقرب في التّأدية كما قلنا لا (يقال) فيصح بلفظ الخلع و الكناية لأنا نقول هذان لا يتأدّى بهما معنى البيع الا بتكلفات و قرائن أجنبيّة و هما حقيقتان في معنى أخر و مجاز في البيع من أبعد المجازات و المجاز لا ينعقد به البيع كما قررناه انتهى و قال في باب عقد النكاح في ذيل البحث عن وقوعه بلفظ متعتك ما لفظه و قد سبق في البيع ان الأصحّ وقوعه حالا بلفظ السّلم و ذكرنا توجيهه هناك و بينا ان عدم الصّحّة انّما هو مع استعمال الألفاظ المجازية الأجنبيّة و هذا أقوى انتهى خامسها انه يصحّ العقد بالحقائق و بالمجازات الّتي قرائنها ألفاظ مستعملة في معانيها الحقيقيّة حتى انها صارت سببا لإفادة المجازات لمعانيها و بالمشترك اللّفظي أيضا إذا كانت قرينة المعيّنة للمعنى المراد لفظا مستعملا في معناه الحقيقي و لا يصحّ بغير ذلك من المجاز و المشترك اللّفظي اللّذين قرينتهما من قبيل القرائن الحالية و الأمور العقليّة و مثلهما المشترك المعنوي و هذا هو الّذي رجحه (المصنف) (قدس سرّه) و حمل كلام القائلين باعتبار الحقيقة دون المجاز على ما هو أعمّ من ان يكون الدال ابتداء على معنى العقد هو اللّفظي الحقيقي و ان يكون أمر الدلالة ينتهى اليه بأن يكون قرينة و السر في التّرجيح ان المناط هو اعتبار الدلالة اللفظيّة المعتد بها عرفا في العقود و كما ان دلالة الحقيقة الواحدة على معناها بالظّهور المعتد به (كذلك) دلالة المجاز الّذي قرنيته لفظ مستعمل في معناه الحقيقي و دلالة المشترك اللّفظي الّذي قرينة موصوفة بالوصف المذكور و امّا المجاز و المشترك اللّفظي المقرونان بالقرائن الغير اللّفظيّة فهما و ان كانا ظاهرين معتبرا ظهورهما الا ان ظهورهما ليس من ظهور الدلالة اللّفظية و قد عرفت ان المعتبر انّما هي الدلالة اللّفظيّة و الظهور اللّفظي و هذا هو الّذي ذكره (المصنف) (قدس سرّه) بقوله و لعل الأحسن منه ان يراد (انتهى) و حكى بعض مشايخنا قولا سادسا و هو التفصيل في قرائن المجازات بين اللّفظ الحقيقي و غيره بعد التفصيل بجواز المجاز القريب و عدم جواز المجاز البعيد ففصل في المجاز الغريبة بين ما لو كانت قرينته لفظا حقيقيّا و بين ما كانت غيره فلا يجوز و لكنا لم نجد به قائلا و سئلنا الحاكي فلم يعرفه
قوله و المراد بالصّريح كما يظهر من جماعة من الخاصّة و العامة في باب الطلاق و غيره ما كان موضوعا لعنوان ذلك العقد لغة أو شرعا و من الكناية ما أفاد لازم ذلك العقد بحسب الوضع فيفيد ارادة نفسه بالقرائن و هي عندهم على قسمين خفية و جلية
اعلم انه قد اختلف كلمات الفقهاء في تفسير الصّريح و الكناية التي جعلت مقابلة له على وجوه أحدها ان الكناية ما يتوقف وقوع معناه على النية و يقابله الصّريح و هو ما لا يتوقف وقوع معناه على النيّة و هو ظاهر كلام السّيّد (رضي الله عنه) في الانتصار في مقام الحكاية عن العامة و ظاهره (رحمه الله) انه لم يخالفهم في الاصطلاح قال في الانتصار و ممّا انفردت به الإماميّة ان الطلاق لا يقع الا بلفظ واحد و هو قوله أنت طالق و لا يقع بفارقتك و سرحتك و لا باعتدى و حبلك على غاربك و خلّية و برّية و بتة و بتلة و كل لفظ عدا ما ذكرناه و اختلف الفقهاء في ألفاظ الطلاق فقال أبو حنيفة لفظ الطّلاق الصّريح ما تضمّن الطّلاق خاصّة و الباقي كنايات و يقع الطّلاق بها مع النيّة و قال الشافعي صريح الطّلاق ثلاثة ألفاظ الطّلاق و الفراق و السراح و باقي الألفاظ كنايات لا يقع بها الطّلاق الا مع مقارنة النية لها و يقع مع ذلك ما ينويه و قسم الكنايات الى قسمين ظاهرة نحو قوله خلية و برية و بتة و باين و بتلة و حرام و الكنايات الباطنة نحو قوله اعتدى و استبرئى رحمك و تقنعي و حبلك على غاربك الى ان قال و الحجّة لما نذهب اليه بعد إجماع الطّائفة ان الطلاق يتبعه حكم شرعي لا يثبت إلا بأدلّة الشّرع و لا خلاف في وقوعه باللّفظة الّتي ذكرناها و ما عداها من الألفاظ لم يقم دليل على وقوعه بها فيجب نفى وقوعه لان الحكم الشرعي لا بد من نفيه إذا انتفى الطّريق اليه و أيضا فإن ألفاظ القران كلها واردة بلفظ الطّلاق مثل قوله (تعالى) يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذٰا طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ و ما أشبه ذلك و طلّقتم مشتق من لفظ الطّلاق دون غيره من الألفاظ فينبغي ان لا يتعلق الحكم الا بهذا اللّفظ فان قيل معنى طلقتم فارقتم و الفراق قد يكون بألفاظ مختلفة قلنا هذا خلاف (الظاهر) لان لفظ طلقت مشتق من حدث فيه طاء و لام و قاف كما ان ضرب مشتق من حدث فيه ضاد و راء رباء و من فعل ما فيه معنى الضّرب لا (يقال) ضرب و (كذلك) لا (يقال) فيمن فعل ما فيه معنى الطّلاق طلق فان قيل لفظة الطّلاق شرعية قلنا معاذ اللّه هذه لفظة لغوية معروفة في خطاب أهل اللغة و انّما يتبعها أحكام شرعيّة لا تعرف في اللّغة انتهى و الغرض من ذكر هذا الكلام انهم أعني العامّة أرادوا بالصّريح ما لا يتوقف وقوع الطّلاق به على النيّة و بالكناية ما يتوقف وقوعه به على النيّة و ان اختلفوا في تعيين الصّريح فقصره أبو حنيفة على ما اشتمل على مادة الطّلاق و جعله الشافعية ثلثه و ان السّيّد (رضي الله عنه) لم يخالفهم في الاصطلاح و ان خالف بعضهم في الحكم مستندا الى ما هو تقرير للاصطلاح و ليس فيه نفى له و ان كان أصل كلام السيّد (رضي الله عنه) لا (يخلو) عن المناقشة خصوصا قوله و من فعل ما فيه معنى الضّرب لا (يقال) ضرب فإنه ممّا لا نعقل معناه و الحاصل انهم ذكروا ان الكناية ما يحتاج إلى النيّة و لا يخفى انه ليس ملازما لما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من عدم كون اللّفظ موضوعا لعنوان العقد ضرورة وضعه له و ان وضع لغيره ايضا و الوضع للغير لا يقتضي عدم صدق كونه موضوعا لعنوان العقد و هو ظاهر و انّ الصّريح ما لا يحتاج إلى النيّة و هو أخصّ من اللّفظ الموضوع لعنوان العقد لان من الموضوع لعنوان العقد ما هو مشترك بينه و بين غيره و لا يصدق عليه انّه لا يحتاج إلى النيّة و الغرض تقرير الاصطلاح و الا فالحكم اعنى وقوع العقد بغير نيّته مما لا نقول به و أوضح من ذلك عبارة الشيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) حكاية عن بعضهم حيث قال صريح الطّلاق عندنا لفظة واحدة و هو قوله أنت طالق أو هي طالق أو فلانة طالق و يحتاج إلى مقارنة