غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٨٢ - دراسة حول الأقوال
الى الاقتصار على موضع الإجماع و هذا مخط قول جماعة بتخصيص البيع شرعا بما كان مع الصّيغة المخصوصة الجامعة لجميع الشّرائط المختلف فيها و من ظن ظهوره و لكن زعم الإجماع على اشتراط الصّيغة في تحقق البيع لزمه القول به و لكن يقتصر في الشرط بما هو محل الإجماع يعني ما ثبت الإجماع بزعمه على اشتراطه و هذا ضابط قول جمع ممّن يقول باشتراط الصّيغة في تحقق البيع و لكن يوسع فيها و من لم يظهر ذلك الإجماع له و لم يعثر على دليل أخر ايضا على الاشتراط يوسع في تحقق البيع بما يتحقق به لغة أو عرفا و الى هذا ينظر من اكتفى بمطلق اللّفظ أو بالمعاطاة أيضا و هنا أمر أخر و هو انّه بعد تعيين معنى البيع أو ما يتحقق به البيع عرفا و انه ما سيأتي من انه ما يدلّ على نقل المالك ملكه به الى أخر بعوض معلوم بالطريق المعهود قد يقع الخلاف في الدّال فقد (يقال) باختصاص الدّال الصّريح بالصّيغة المخصوصة فلذا يقول باختصاص تحقق البيع بها و الى هذا نظر طائفة من المشترطين للصّيغة و قد لا (يقال) بالاختصاص فيعمّ و إذ قد عرفت ذلك تعلم ان وظيفتنا أوّلا الفحص عن انّه هل للبيع معنى لغويّ أو عرفيّ نعلمه و انّه ما هو فنقول ان من البديهيّات الّتي لا شك فيها ان لفظي البيع و الشّراء ممّا يستعمله عامّة النّاس من أهل الأسواق و البوادي و الخارجين عن شريعتنا بل عن مطلق الشّريعة استعمالا خارجا عن حدّ الإحصاء و ليسوا شاكين في معناه و لا متردّدين و لا محتاجين في فهمه إلى القرينة فهذا يقول بعث و اشتريت و ذاك أبيع و اشرى و ثالث هل يبيع و هل يشترى الى غير ذلك و يفهم المخاطب مراده من غير قرينة أصلا و لو لم يعلم القدر المجمع عليه شرعا و لم يفهم إجماعا أو شرعا و لم يقرع سمعه صيغة فيقطع بذلك ان ما يتحقق به البيع أمر مضبوط معلوم عند أهل العرف مع قطع النّظر عن الشّرع و هو يدلّ عرفا على نقل المالك ملكه به الى أخر بعوض لصدق المبايعة إذ عند حصول ذلك يستعمل لفظ البيع عندهم و يتبادر عنه حصوله و لا يجوزون سلب الاسم معه سواء كان ذلك بقبض كلّ من العوضين و هو المسمّى بالمعاطاة أو بقبض أحدهما مع ضمان الأخر أو بألفاظ دالة على ذلك و على هذا فلا يشترط في تحقق البيع عرفا صيغة مخصوصة من حيث انّها هي و ان وجب كون الفعل أو اللّفظ دالا على النّقل المذكور عرفا و هذا هو الّذي يظهر من كلمات الأكثر و اليه نظر قول المحقق الشّيخ على (رحمه الله) في شرح (القواعد) نارة ان المعاطاة بيع بالاتفاق و اخرى انه المعروف من الأصحاب و امّا ما يظهر من بعضهم من الخلاف في تسمية المعاطاة بيعا و هو بين شاك فيها و ناف بل عن الغنية الإجماع على العدم و في (الروضة) اتفاقهم على انها ليست بيعا (فالظاهر) ان المراد البيع الشّرعي أي ما يوجب الانتقال شرعا حيث يزعم اشتراط صيغة خاصّة و انعقاد الإجماع عليه فلا تخالف بين دعوى الإجماعين و لو أراد أو نفى البيع العرفي ففاده واضح لوجوه منها الاستعمال فإنّه (يقال) ابتعت الخبر و اللحم و بعته و لو لم يتحقق أمر سوى المعاطاة و الأصل فيه الحقيقة و أعميّة انّما هو مع تعدّد المستعمل فيه و هو هنا غير ثابت و استعماله فيما كان مع الصّيغة بدون التقابض لا يثبته لجواز كون المستعمل فيه هو القدر المشترك و هو النّقل المذكور بل هو (كذلك) و كذا لو فرض استقرار عرف على المبايعة بعمل أو لفظ أخر يصحّ استعمال البيع و الشّراء بعد تحققه و منها عدم صحّة السّلب فإنه إذا اتّخذ أحد حرقة بيع الكرابيس أو الرقيق أو غيرهما و كان بيعها مدّة بالمعاطاة (يقال) انه بيّاع الكرباس مثلا و لو لم يتلفظ بصيغة أبدا و لا يجوز ان (يقال) ليس (كذلك) كما نشاهد في أهل السّوق و أرباب الحرف و لو أمر أحد ببيع كرباس فباعه بالمعاطاة أو بلفظ غير الصّيغ المخصوصة لا يجوز له ان يقول ما بعثه و لو عاتيه لعدم الامتثال لذم و هذا ظاهر جدا و منها التّبادر فإنه يحاور ذكر البيع و الشرى فوق حدّ الإحصاء عند أهل القرى و البوادي و يفهمون معناه و يتبادر عندهم مع انهم لا يعرفون صيغة بل لم يسمعوها في الأكثر و يدل عليه ايضا قول القائل بعت متاعي و لكن ما أجريت الصّيغة و صحّة الاستفسار بعد قوله ذلك
انّك هل أجريت صيغة و يجري أكثر تلك الوجوه أو جميعها في قبض أحد العوضين مع ضمان الأخر و في التّلفظ بالألفاظ المفهمة لنقل المالك ملكه بها بالقصد المذكور فيتحقق البيع بجميع ذلك عرفا ثمّ انّه بما ذكرنا كما يثبت ان البيع يتحقق عرفا بحصول ما يدلّ على النقل المتقدّم (مطلقا) سواء كان لفظا أو غير لفظ (كذلك) يثبت عدم انحصار الدال على ذلك النقل في اللّفظ المخصوص بل و لا في مطلق اللّفظ و جميع ما ذكرنا يدلّ عليه و بعد ثبوت تحقق البيع بما ذكر عرفا يثبت لغة و شرعا أيضا بضميمة الأصل و إذا قد ثبت كونه بيعا شرعا يكون جائز أو يباح به التصرّف لكلّ من الطّرفين فيما نقل اليه و لو لم يتلفّظ بالصّيغة بعمومات الكتاب و السّنة الدّالة على حليّة البيع و جوازه مضافا الى الإجماع القطعي المستفاد من عمل الناس في الأعصار و الأمصار حتّى في زمان النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من غير نكير و من فتاوى العلماء بالنّسبة إلى المعاطاة و قول العلامة (قدس سرّه) في النهاية يكون المعاطاة بيعا فاسدا فيلزمه عدم جواز التصرّف شاذ مع انّه ايضا قد رجع عنه و يلزم من جوازه شرعا و إمضاء (الشارع) إيّاه زوال ملكية المبيع من البائع و حصولها للمشتري شرعا إذ لا معنى لتحليل (الشارع) و إمضائه نقل الملك الّذي هو معنى البيع بل قوله في موارد متكثرة بع و بيعوا و أمثالهما إلا بمعنى النّقل شرعا هذا كلامه (رحمه الله) و بما ذكرنا كلّه ظهر سقوط ما استدلّ به القائل بعدم الملك مع اباحة جميع التصرّفات حتّى المتوقّفة على الملك من الوجوه الّتي تقدّم ذكرها عند حكاية ذلك القول ما استقرار السّيرة المستمرة على التصرّف في المأخوذ بالمعاطاة فلانّ ذلك أعمّ من مقصوده فيلائم إفادتها الملك ايضا بل هو بها انسب كما هو واضح و امّا الإجماع المدّعى في الغنية و (الروضة) و لك فلكونه بالنّسبة إلينا منقولا لا يفيد الوثوق بعد ما عرفت من الدّليل على كون المعاطاة بيعا مضافا الى ما سيأتي في كلام (المصنف) (قدس سرّه) عن كره من ان الأشهر عندنا انّه لا بدّ من الصّيغة و انه يدلّ على وجود الخلاف المعتدّ به في المسئلة و لو كان المخالف شاذ العبّر (بالمشهور) و امّا الرواية الدّالة على حصر المحلل و المحرم في الكلام فهي بظاهرها الذي تخيّله المستدلّ لا يساعد مذهبه لأنّه ينتفي الحلّ عند انتفاء الكلام و مقصوده إثبات إباحة التصرّفات حتّى المتوقفة على الملك و حمله على نفى اللّزوم انّما هو لأجل الجمع بينها و بين ما دلّ على حصول الإباحة بالتّراضي كما اعترف به و ذلك موقوف على