غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٧٤ - في تعريف البيع و حقيقته
يتوهم من بعض العبارات و انما مرادهم عقد أو نقل أو انتقال مخصوص مباين لسائر العقود حتى الصّلح الّذي قد يقوم مقامه عندهم هذا و هو في محلّه لكن لا يتجه الا على تقدير كون مراده عدم وقوع البيع بلفظ نقلت مجرّدا عما يجعله مساويا للبيع من القيود و ان كان مراده عدم وقوعه به حتى لو ضم اليه من القيود ما يجعله مساويا له قلنا ذلك لا يقدح في صحّة التّعريف إذ لا يشترط في التعريف أزيد من مساواته للمعرّف و يبتني صحّة إيقاع الصّيغة به و عدم صحّته على ان المعيار في الصراحة و الكناية هو كون اللّفظ بنفسه صريحا و عدمه أو كون اللّفظ صريحا (مطلقا) و لو كان صراحته باعتبار ضمّ قيود الى اللّفظ تجعله نصّا في معنى العقد الّذي يراد إيقاعه و سيتضح لك تفصيل المقال في محلّه
قوله (رحمه الله) لأنه ان أريد بالصّيغة خصوص بعت لزم الدور لان المقصود معرفة مادة بعت
لا يخفى انه على هذا التقدير لا يلزم الدّور لان المعرف انما هو معنى البيع و المأخوذ في التعريف اعنى بعت عبارة عن اللّفظ فالموقوف هو المعنى و الموقوف عليه هو اللّفظ الا ترى انه لو قيل البيع نقل العين بلفظ بعت لم يلزم دور لكن بعد العلم إجمالا بأن جملة من الألفاظ تفيد معنى النّقل و ان من جملتها لفظ بعت و هذا العلم الإجمالي حاصل لكل من له أهلية مراجعة الكتب الفقهيّة بل يمكن ان (يقال) لا حاجة في اندفاع الدّور الى هذا العلم الإجمالي لأن التّعريف على الوجه الّذي ذكرنا يفيد العلم بان لفظ بعت للنقل
قوله (رحمه الله) و ان أريد بها ما يشمل ملكت وجب الاقتصار على مجرّد التّمليك و النقل
يعنى انّه لو أراد ما يشمل ملكت كان اللازم عليه ان يقتصر في التعريف على مجرد التّمليك أو النقل و لا يقيّد بقوله بالصيغة المخصوصة
قوله فالأولى تعريفه بأنه إنشاء تمليك عين بمال
اعلم ان العلامة الطباطبائي (قدس سرّه) قال في المصابيح ان الأخصر و الأسد تعريفه بأنه إنشاء تمليك العين بعوض على وجه التراضي و لما راى (المصنف) (رحمه الله) انّ العوض أعم من المال لانه يشمل ما لا يصدق عليه المال مثل جملة من الحقوق كحق السّلام و حق الحضانة و حق ولاية الأب و الجدّ على الصّغير و تمليك العين في مقابل أمثالها لا يصير بيعا لاعتبار بعض أهل اللّغة كون العوض مالا مع سكوت الباقين و ان التقييد بقوله على وجه التراضي يخرج بيع المكره مع انه بيع بل منه ما هو بيع صحيح كما لو أكرهه الحاكم في موارد جواز إكراهه فلذلك أبدل العوض بالمال و أسقط قيد التراضي فعرّفه بما ترى و مع ذلك أورد عليه بوجهين أحدهما ان اعتبار الإنشاء في التعريف لا وجه له لأن شيئا من تصاريفه المشتقة منه مثل باع و بايع و غيرهما لم يؤخذ في مفهومه الإنشاء و الأصل توافق المشتق و المشتق منه بل نقول ان من المعلوم ضرورة عدم اعتبار الإنشاء في مفهوم لفظ البيع ان أريد بيان المعنى المصدري أقول الأولى تقرير الاعتراض على عكس ما ذكر بان (يقال) ان الإنشاء مأخوذ في مفهوم البيع و ما تصرّف منه ضرورة ان الاخبار عن البيع لا يصحّ ان يسمّى بيعا و كذا من أخبر عن البيع بقوله بعت أمس لا يصحّ ان يحكم عليه بأنه باع نظر الى حال تكلمه الذي هو حال الاخبار عن البيع و على هذا فمعنى البيع إنشاء البيع و معنى البائع منشئ البيع و هكذا لكن التّمليك الّذي ذكر في التعريف جنسا حاله حال البيع فلا يسمّى الاخبار عن التّمليك تمليكا فالإنشاء مأخوذ في مفهومه ايضا فيصير ذكره في اللّفظ مضافا الى لفظ التّمليك مستدركا و ثانيهما ان العوض غير مأخوذ في مفهوم البيع وضعا فيصحّ الاخبار بالبيع عمن قال بعت هذه الدار مثلا بدون ذكر العوض و الوجه في ذلك واضح فإنّه اسم لما هو أعمّ من الصّحيح و الفاسد و لذلك تريهم يذكرون مسئلة البيع بلا ثمن و يختلفون في حكمه فلو لم يكن بيعا لم يكن لذلك وجه
قوله (قدس سرّه) نظير تملّك ما هو مساو لما في ذمته و سقوطه بالتهاتر
توضيحه انه إذا كان في ذمّة عمرو من من طعام مثلا لزيد فاشترى من زيد منّا من طعام مساو لذلك الطعام في الجنس و الوصف من دون زيادة و نقيصة و لم يقبضه فإنّه يملكه بالشّراء و يخرج عن ملكه بدلا عن الدّين الّذي في ذمّته
قوله إذ ليس للبيع لغة و عرفا معنى غير المبادلة و النقل و التمليك و ما يساويها من الألفاظ
يستفاد منه انه (رحمه الله) فهم من عبارة المصباح معنى النّقل
قوله و لذا لا يجرى فيه ربا المعاوضة
قال في (الشرائع) و هو يعنى الرّبا يثبت في البيع مع وصفين الجنسيّة و الكيل أو الوزن و في الفرض مع اشتراط النّفع انتهى و أراد (المصنف) (قدس سرّه) بهذا الكلام انه لا يجرى فيه ربا المعاوضة و انما يجرى فيه الربا للمختصّ به و الّا فمجرّد عدم جريان ربا المعاوضة فيه لا يدلّ على عدم كونه معاوضة لإمكان ان يكون ربا المعاوضة من قبيل الخواص الغير الشاملة لجميع افراد ما هو خاصّة له و يكون عدم جريانه في القرض باعتبار ان العوضين ليسا حاضرين و لا مذكورين في اللفظ و قد جعل أصل وضعه على ثبوت ما يساويه في مقابله فلذلك لا يتحقق فيه ربا المعاوضة المنوط بمجرّد كون أحدهما مشتملا على الفضل و الوجه في عدم جريان ربا المعاوضة فيه و جريان القسم الأخر فيه هو انه يشترط في الأول مضافا الى لزوم كون العوضين من جنس واحد كونهما من قبيل المكيل أو الموزون و لا اشترط في الثاني كون مال القرض و ما يعوض عنه من قبيل المكيل أو الموزون و انما يعتبر فيه اشتراط النّفع
قوله و لا الغرر المنفي فيها
يعنى لا يجري في القرض الغرر المنفي في المعاوضة توضيح ذلك ان الغرر عبارة عن الخطر و لهذا يستدلون بقوله (عليه السلام) نهى النّبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) عن بيع الغرر على اشتراط العلم بالمبيع و العلم بالثّمن و كون المبيع مقدور التّسليم و لا بد من ان يكون مراده (رحمه الله) بعدم جريان الغرر عدم قدح جهالة المال المقرض و الا فوضع القرض على تمليك عين حاضرة و دخول العلم بالثمن مستلزم للتكرار في كلامه لانه ذكره بعد الغرر و (حينئذ) فيكون مقصوده (رحمه الله) هو انه لا يشترط العلم بالمال الّذي يقرضه فلو قبض قبضة من الدّراهم و أقرضها من دون وزن و لا عدّ صحّ أصل القرض غاية ما هناك انه يلزم المقترض ان يعرف القدر بعد ذلك ليمكن له أداؤه و ذلك لا دخل له بأصل صحّة القرض و كذا لو أقرض مقدارا من الطعام من دون كيل و لا وزن أو بوزن غير معلوم كصبخة مجهولة المقدار غاية الأمر أنه يعتبرها المقترض بعد ذلك ليمكن له الأداء أو يحفظه هو أو المقرض ليؤدّي العوض بها و مع انتفاء الأمرين يتصالحان و ذلك لا يراحم أصل صحّة القرض هذا و لكن يبقى الكلام في صحّة ما استفيد من عبارته و سقمه فنقول قد حكم جماعة بعدم صحّة قرض المال المجهول فعن الشيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) انه قال لا يجوز إقراض ما لا يضبط بالصّفة و قال العّلامة (رحمه الله) في (التذكرة) في أخر مسئلة الرّكن الثاني من أركان القرض يجب في المال ان يكون معلوم