شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٣ - الحديث الثاني
طبيعتك تكلّفت ما لا علم لك به و أنا الخالق العالم، بعلمي خالفت بين خلقهم و بمشيئتي يمضي فيهم أمري. و إلى تدبيري و تقديري صائرون، لا تبديل لخلقي، إنّما خلقت
بسببه، و أما التكلف في السؤال بأن خلقهم على مثال واحد الى آخر ما ذكره- أنسب بنظامهم و أقرب في رفع الفساد بينهم فمستند الى ضعف طبيعته و معارضة قواه الجسمانية للقوة الروحانية و غلبتها عليها بتوهم أن الاتحاد في الامور المذكورة موجب للاتحاد و الالفة بينهم و هذا أمر مطلوب و الحكمة تقتضى رعايته، و هذا التوهم فاسد لان التماثل في الطبيعة يوجب زوال نظامهم و انقطاع نسلهم لان التماثل يوجب اشتغالهم بصنعة واحدة من الصنائع الجزئية التى لها مدخل في تحقق النظام و بقاء النوع بخلاف الاختلاف فانه يوجب اشتغال كل واحد بما يناسبه؛ و يستعد له من الصناعات فيتحقق النظام المشاهد و بقاء النوع و التماثل في الفقر و الغنى و غيرهما لا يوجب عدم البغى و التحاسد و التباغض و غيرها من المفاسد، و على تقدير ايجابه فهى حكمة لا قدر لها في جنب حكمة الاختلاف و هى ابتلاؤهم في مقام التكليف الموجب لرفعة مقاماتهم في الدار الآخرة.
قوله: (و أنا الخالق العليم)
(١) [كذا] تعريف الخبر باللام يفيد الحصر و فيه تنبيه على أنه لا ينبغى السؤال عنه في خلقه و ايجاده للاشياء على ما هى عليه عند خفاء الحكمة بل يجب الاذعان بأن كل ما خلقه على أى وجه خلقه فهو أحكم و أتقن و أفضل و أحسن من غير ذلك الوجه لكونه خالقا عليما و صانعا حكيما لا يفعل الا ما يقتضيه الحكمة البالغة فالقول بأن في خلافه حكمة فاسد اما باعتبار أن هذه الحكمة حكمة وهمية لا تحقق لها في نفس الامر أو باعتبار أنها حكمة ضعيفة لا قدر لها عند تلك الحكمة البالغة.
قوله: (بعلمى خالفت بين خلقهم)
(٢) أى خالفت بين خلق أبدانهم و قلوبهم و طبائعهم و غيرها بسبب علمى بحالهم و بمصالح الاختلاف قبل خلقهم و بعده، و الحاصل أنه سبحانه لما علم أزلا تفاوتهم في الطاعة و العصيان و الكمال و النقصان خلق أبدانهم و صورهم و أشكالهم وقت الميثاق على قدر تفاوتهم و تفاوت مراتبهم فوضع كلا في موضعه و هو العدل الحكيم و يمضى فيهم في هذا العالم و هو عالم الظهور أمره الّذي هو الاختلاف المقدر في ذلك الوقت أو أمره التكوينى على النحو المشاهد بمجرد مشيته و ارادته و هم صائرون الى ما دبر من عاقبة امورهم و الى ما قدر لهم من الجنة و النار لا تبديل لخلق اللّه، فمن حسنت أحواله في ذلك الوقت حسنت أحواله في الدنيا، و من حسنت أحواله في الدنيا حسنت أحواله في الآخرة، و من قبحت أحواله في ذلك الوقت، قبحت أحواله في الموطنين الآخرين لا يتبدل هؤلاء الى هؤلاء و لا هؤلاء الى هؤلاء.
قوله: (و بمشيتى يمضى فيهم أمرى)
(٣) أى أمر الاختلاف أو أمر التكوين يمضى فيهم بمجرد المشية