شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٨٤ - الحديث الخامس
الناس فقال: بعضهم، لا تقعد تحت هذا الحائط، فانّه معور فقال أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه): حرس امرئ أجله فلمّا قام سقط الحائط قال: و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) ممّا يفعل هذا و أشباهه و هذا اليقين.
غاية يفضل بها على غيره فكذا المراد هنا أن أحدا لا يجد طعم الايمان و حقيقته حتى ينتهى الى غاية يعلم بها يقينا كالعيان ان ما أصابه من خير و شر و نفع و ضر لم يكن ليخطئه أى يجاوزه الى غيره، و ما أخطأه أى جاوزه الى غيره لم يكن قط ليصيبه و لا يعرف بلوغ العبد الى حقيقة هذا الايمان و العلم الا بظهور أماراته له و لغيره كما أبان حارثة أمارات ما ادعى من حقيقة ايمانه فيسلم له و يقف هو عند علمه و من أمارات من بلغ حقيقة هذا اليقين و الايمان أنه يسكن عن طلب الدنيا و ثمراتها، و عن التشرف الى منافعها و زهراتها، و تعذيب القلب و الخاطر بانتظارها و تمنيها ثقة بأن ما قسم له منها لا يجاوزه و ما جاوزه الى غيره لا يصيبه فيطمئن قلبه و يرضى بسابق قسمته له فلا يحرص في طلب المنافع و لا يتوجه قلبه إليها كأنه يخاف فيها منع مانع، و لا يتحرك في أسبابها الا أن يتوجه إليه أمر المولى كقوله «فَامْشُوا فِي مَنٰاكِبِهٰا وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ» فالظاهر منه متحرك و الباطن ساكن مطمئن موقن بأنه لا بد من كون جميع ما قدر اللّه كونه و امضاءه. و من لم يبلغ هذه المرتبة فعليه الصبر على ما يكره فان فيه خيرا كثيرا لعله يوصله الى غاية مقام اليقين و الرضا. قال بعض الاكابر: للّه عباد لا يرضون له منهم بالصبر على ما قدر و قضى بل يتلقون أمر أحكامه باليقين و المحبة و الرضا.
قوله: (فانه معور)
(١) بضم الميم و سكون العين و كسر الواو أى ذو عوار بفتح العين و ضمها يعنى فيه عيب و خلل يخاف منه القطع و الهدم.
(حرس امرئ أجله)
(٢) امرئ مرفوع على الفاعلية و أجله منصوب على المفعولية و العكس محتمل و المقصود الانكار لان أجل المرء ليس بيده حتى يحرسه.
(و هذا اليقين)
(٣) بالقدر فانه يسكن النفس في مثل هذه المواضع لعلمه يقينا بأن كل ما قدر وقوعه فهو واقع فلا ينفع الفرار منه و كل ما قدر عدم وقوعه فهو غير واقع فلا يضر عدم الفرار. لا يقال لعل تقدير عدم وقوع الحائط عليه مثلا مشروط بالفرار فيجب الفرار طلبا للقدر و تحرزا عن الهلاك لانا نقول الفرار و عدمه أيضا داخلان في التقدير، و من جملة المقدر فان كان المقدر هو الفرار. وقع قطعا و ان كان عدمه لم يقع. فان قلت لا معنى حينئذ للتكليف بالفرار. قلت التكليف به تكليف بالمقدر و التكليف بالمقدر أيضا مقدر فهو واقع على أنه يمكن أن يقال مناط التكليف به امكانه في ذاته، أو التكليف به مختص بغير الموقن لان الموقن يتوكل على اللّه، و يفوض أمره إليه فيقيه عن كل مكروه كما قال عز و جل «أَ لَيْسَ اللّٰهُ بِكٰافٍ عَبْدَهُ» و كما قال مؤمن آل فرعون وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ بَصِيرٌ بِالْعِبٰادِ فَوَقٰاهُ