شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٢٣ - الحديث الثالث
إليه ذمّك لنفسك أفضل من عبادتك أربعين سنة.
وجد عمله غير مقبول علم ان ذلك لتقصير في عمله و نقص في نفسه ثم عدم تأثير عبادته مدة أربعين سنة في صفاء قلبه مع ما روى أن من عبد اللّه أربعين يوما خالصا لوجه اللّه ينفجر في قلبه ينابيع الحكمة انما هو لفساد في عمله مثل الرياء و الحسد أو الفخر و العجب أو غيرها، و منه يعلم أن العمل بدون تصفية القلب غير مقبول [١] كما قال جل شأنه إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» فلا بد للعابد اذا أراد بلوغه حد الكمال من أن يطهر نفسه من الفساد و ينزه ظاهره و باطنه عن العلائق و يوجه قلبه الى اللّه و يتفكر في معانى الكلمات التى يناجيه بها و أسرار الآيات التى يتلوها و يعترف بالعجز و التقصير. فانه اذا كان كذلك في جميع الاوقات أو في أكثرها بلغ قبول الحق و أدرك وصاله حتى تصير ارادته كارادته لا يتخلف عنها المراد، و اللّه ولى التوفيق. (فاوحى اللّه تبارك و تعالى إليه)
(١) ظاهره بلوغ الوحى إليه و يحتمل نزوله الى
[١] قوله «بدون تصفية القلب غير مقبول» و يدل عليه أيضا قوله تعالى يَوْمَ لٰا يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لٰا بَنُونَ إِلّٰا مَنْ أَتَى اللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ و يؤيد هذا الكلام ما ذكرناه سابقا من أن العمل سبب بالواسطة للسعادة الاخروية لا بالمباشرة، و ان السبب المباشر القريب هو الملكة الصالحة الراسخة، و انما امر بهذه الاعمال الظاهرة لتحصيل تلك الملكة. و الغرض الاصلى فيها تحصيل السعادة في الآخرة. و من زعم أن حكمة انزال الكتب و ارسال الرسل و تشريع الشرائع حفظ نظم هذا العالم و حسن سياسة العباد فهو بمعزل عن الحق قاصر النظر على الماديات يَعْلَمُونَ ظٰاهِراً مِنَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غٰافِلُونَ. و قال تعالى وَ نَفْسٍ وَ مٰا سَوّٰاهٰا فَأَلْهَمَهٰا فُجُورَهٰا وَ تَقْوٰاهٰا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّٰاهٰا وَ قَدْ خٰابَ مَنْ دَسّٰاهٰا فبين أن فلاح نفس الانسان بالتزكية و استدل عليها بأن نفسه مجردة موجودة بامر اللّه تعالى و يعرف الفجور و التقوى بالهامه تعالى و كل شيء كان له صفة من الصفات اياما كانت فانما جعلت فيه لغاية يتوخاها البتة بتلك الصفة و ليس ادراك الحسن و القبح و استبشاع المنكرات و تحسين المعروفات بالهام خالقه عبثا في وجود الانسان، بل لا بد من أن يكون لغاية هى تزكية نفسه كما أن وجود رغبة أو رهبة في كل موجود انما هو لان ما يرغب فيه غايته و مكمل لوجوده كرغبة الشجر الى نور الشمس و جعل ادراك الفجور و التقوى في طبيعة النفس لان فلاحها بتزكيتها و ذكرنا شيئا يتعلق بذلك في المجلد الرابع ص ٢٨٥. (ش)