شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٦ - الحديث الثاني
فقال و أبوه يسمع (عليهما السلام): حدّثني أبي أنّ اللّه عزّ و جلّ قبض قبضة من تراب التربة التي خلق منها آدم (عليه السلام) فصب عليها الماء العذب الفرات ثمّ تركها أربعين صباحا
قالوا بلى شهدنا من باب التمثيل و التخييل و معنى ذلك أنه نصب لهم الادلة على ربوبيته و وحدانيته و شهدت بها عقولهم و بصائرهم التى ركبها فيهم و جعلها مميزة بين الضلالة و الهدى فكانه أشهدهم على أنفسهم و قررهم، و قال لهم أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ و كانهم قالوا بلى أنت ربنا شهدنا على أنفسنا و أقررنا بوحدانيتك، و باب التمثيل واسع في كلام اللّه و رسوله و في كلام العرب، و قال بعضهم: ان أخذ الذرية يعود الى احاطة اللوح المحفوظ بما يكون من وجود هذا النوع بأشخاصه و انتقاشه بذلك عن قلم القضاء الالهى و نزل تمكين بنى آدم من العلم بربوبيته بنصب الدلائل و الاستعداد فيهم و تمكنهم من معرفتها و الاقرار بها منزلة الاشهاد و الاعتراف تمثيلا و تخييلا لا اخراج و لا شهادة و لا قول و لا اقرار ثمة حقيقة و الفرق بين هذين القولين أن الاخراج على سبيل الحقيقة و الاشهاد و الجواب من باب التمثيل في الاول و كليهما من باب التمثيل في الثاني، و الحق أن الاخراج و الاشهاد و الاقرار و اخذ الميثاق بالمعانى المذكورة كلها واقعة لانه تعالى أخرجهم و خاطبهم بقوله «أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ» و أجابوا ببلى حقيقة و لا بعد فيه نظرا الى قدرته القاهرة و أنه تعالى جعل فيهم قوة يقدرون بها على معرفته و توحيده نظرا في آياته و على الخروج مما فيهم من قوة الكمال و التكميل الى الفعل فكان خلقهم على هذا الوجه مشابها بالاخراج و العهد و الميثاق فحسن اطلاق الاخراج و الميثاق على هذا الوجه على سبيل التمثيل. و هذا هو العهد القديم و العهد الاول بل لا يبعد اطلاق العهد القديم على علمه تعالى بما فيهم من تلك القوة، ثم ان بعضهم بعد الوجود العينى نقضوا الميثاق و أبطلوا تلك القوة و الفطرة، و أنكروا ما أقروا به بلسان تلك القوة بحاضر لذاتهم النفسانية و الوساوس الشيطانية هذا، و تفسيره (ع) يدل ظاهرا على أن اخراج الذرية من الطينة التى هى مبدأ خلق آدم (ع) و في انطباقه على ظاهر الآية خفاء، و يمكن أن يقال: ان بنى آدم كانوا كامنين في طينة آدم فكان إخراجهم منها اخراجا من ظهور بنى آدم و اخراجا من ظهر آدم أيضا، أو يقال للآية ظهر و بطن و ما ذكره (ع) تفسير لبطنها و اللّه يعلم.
قوله: (ان اللّه عز و جل قبض قبضة من تراب التربة)
(١) القابض جبرئيل (ع)، و نسبته الى اللّه تعالى مجاز باعتبار أنه الآمر و التراب مضاف الى التربة أو التربة بدل من قبضه، و لعل المراد بها التربة السماوية و الارضية بدليل ما سبق.