شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٢٧ - الحديث الأول
يَغِيظُ الْكُفّٰارَ وَ لٰا يَنٰالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا: إِلّٰا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صٰالِحٌ» و قال: وَ مٰا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللّٰهِ* و قال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ فهذا ذكر درجات الإيمان و منازله عند اللّه عزّ و جلّ.
(باب) (درجات الايمان)
[الحديث الأول]
١- عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن الحسن بن محبوب، عن عمّار بن أبي الأحوص، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ وضع الإيمان على سبعة أسهم على البرّ و الصدق و اليقين و الرّضا و و الوفاء و العلم و الحلم، ثمّ
الآية السابقة و المنع من التخلف عنه و ما بعده حيث عليه و يجرى مجرى المنع من التخلف و الظمأ شدة العطش و النصب الاعياء و التعب و المخمصة المجاعة الشديدة و الموطأ اما اسم مكان أو مصدر. و الضمير في «يغيظ» عائد الى الوطي و فيه دلالة على أن من قصد طاعة اللّه كان قيامه و قعوده و مشيه و حركته و سكونه كلها حسنات تكتب في ديوان عمله.
قوله: (وَ مٰا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ)*
(١) فيه حث على الخير و ترغيب فيه و المراد به الانفاق أو الاعم.
قوله: (و قال فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً)
(٢) يدل على أن عمل الخير سبب لعلو الدرجة و رفع المنزلة، و عمل الشر خلاف ذلك ففيه ترغيب في الخير و تبعيد عن الشر.
قوله: (ان اللّه عز و جل وضع الايمان على سبعة أسهم)
(٣) هذه الاسهم كلها من أفعال القلب [١] و صفاته الا النادر منها. الاول البر أى الاحسان الى نفسه بفعل الواجبات و ترك المنهيات، و الى الوالدين و الاقربين و الاخوان المؤمنين، و قد روى عن أبى عبد اللّه (ع)
[١] قوله «هذه الاسهم كلها من أفعال القلب» و من مراتب السلوك في اصطلاح العرفاء و هو حركة نفسانية من النقص الى الكمال الانسانى و قد تكلم فيها العلماء بهذا الشأن و من أحسن ما صنف فيه كتاب أوصاف الاشراف للمحقق الطوسى الّذي أشار إليه الشارح، و اعلم أن تلك المراتب غير متناهية من جهة التقسيم كسائر الحركات كما أن السير في المسافة ينقسم الى الفراسخ و الاميال و الاذرع و الاصابع و باعتبار كل تقسيم يختلف عدد الاقسام فان قسمنا مسافة بالفراسخ و حصل عشرة اقسام مثلا كانت بالاميال ثلاثين قسما و بالاذرع مائة و عشرين ألف ذراع و المسافة واحدة كذلك السير الى الكمال الالهى ينضبط باقسام تختلف باعتبارات و قد يعبر عنها باللطائف السبع و أشار إليه الشاعر:
هفت شهر عشق را عطار گشت * * * ما هنوز اندر خم يك كوچهايم
و ضبطها المحقق الطوسى في ستة أقسام ثم قسم كل قسم الى ستة، و قسم صاحب منازل السائرين الى عشرة و كل قسم الى عشرة، و قسم مولانا الصادق (ع) في هذا الحديث الى سبعة أقسام، و في حديث الى عشرة، و في حديث آخر سيأتى ان شاء اللّه تعالى أيضا الى سبعة، و كل قسم منها الى سبعة فصارت تسعة و أربعين، ثم قسم كل منها الى عشرة و للناس فيما يعشقون مذاهب و كلها صحيح و الاولى بنا حفظ اصطلاح الامام (ع) و وجه الترتيب أن الانسان في مبدأ السلوك لا يمكن أن يكون راغبا في الشر مصرا في الفسق معرضا عن الخير لان من هذه صفته لا يتصور في حقه التوجه الى الكمال النفسانى فأول المراتب البر و لما كان البر ذا درجات أولها أن يكون معتقدا لحسن الحسن و قبح القبيح و مع ذلك يرتكب القبائح مسامحة و غفلة و غرورا كما نرى من كثير من الفساق المعترفين بقبح فعالهم و هؤلاء لا يصدق فعلهم قولهم فثانى المراتب الصدق، ثم من صدق قوله فعله قد لا يكون ايمانه خاليا عن شوائب الوهم، و لم يكن له محض اليقين بحيث يبعثه على الحركة على ما يأتى شرحه ان شاء اللّه في درجات الايمان و ثالث المراتب لمزيد الكمال اليقين، و لما لم يكن اليقين بنفسه محركا للانسان الا بالرضا كما أن العلم بالنافع لا يوجب الحركة إليه الا اذا اشتاق فرب عالم بنفع التجارة لا يتجر لعدم شوقه و رب متيقن بالجنة لا يعبد اللّه لعدم شوقه لذلك كان الرضا رابعا و الوفاء بعد الرضا بمنزلة تحريك العضلات بعد الشوق ثم عبر (ع) عما يسنح للسالك بعد الوفاء بالشروط، بالعلم و الحلم و هو العلم المفيد في الآخرة و هو المعرفة باللّه تعالى و صفاته و أسمائه و أفعاله بما يسمى عندهم بالفناء أوله العلم و آخره الحلم و هذا وجه قريب الاحتمال في ضبط الاسهم السبعة و اللّه العالم بحقيقة كلام وليه و كل كلام من هذا الجنس في أخبار الائمة (عليهم السلام) ورد مجملا و لم يرد فيه شرح يجوز للعقول التدبر فيها و إبداء أقرب الاحتمالات فيه و الا كان ذكرهم عبثا تعالى أولياء اللّه عن العبث. (ش)