شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٨١ - الحديث الثاني
الناس بسخط اللّه و لا يلومهم على ما لم يؤته اللّه، فانّ الرزق لا يسوقه حرص حريص و لا يردّه كراهية كاره، و لو أنّ أحدكم فرّ من رزقه كما يفرّ من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت، ثمّ قال: إنّ اللّه بعدله و قسطه جعل الرّوح و الرّاحة في
قلوبهم بيده يتصرف فيها ما يشاء كان صليبا في الدين قائما على اليقين يقول الحق و يأمر به و ينهى عن الباطل و يزجر عنه و يفر مما فيه رضى الناس و سخط الرب و لا يبالى أن ذلك يوجب سخطهم و منعهم لعلمه بأن حصول المقاصد و وصول الارزاق من عند اللّه تعالى.
(و لا يلومهم على ما لم يؤته اللّه)
(١) أى و لا يذمهم على ما لم يؤته اللّه تعالى من الرزق و هو ما يحتاج إليه و ينتفع به في التعيش و البقاء و في اختصاصه بالحلال أو شموله للحرام أيضا خلاف مذكور في موضعه و النهى عن الذم لوجوه الاول أن ذمهم ظلم لهم لانهم لم يمنعوه بل اللّه لم يؤته ما طلب منهم، الثانى أن ذمهم ينتهى الى اللّه لانه انما يذم المانع من الاعطاء و لا معطى و لا مانع الا اللّه فيرجع الذم إليه، الثالث ان ذمه المانع من الخلق شرك لانه اعتقد أنهم مانع له فذمه فأشرك في المنع مع اللّه غيره ألا ترى كيف رده عن هذا الشرك الى التوحيد و عن الجهل الى العلم و عن الشك الى اليقين و عن الاضطراب الى الاطمينان
بقوله:
(فان الرزق لا يسوقه حرص حريص و لا يرده كراهية كاره)
(٢) فان أمر الرزق ليس بيد احد حتى يسوقه إليه عند حرصه أو ترده عند كراهته بل هو بيده تعالى يوصله الى عباده على حسب ما يقتضيه المصلحة من الزيادة و النقصان، و يحتمل أن يكون المراد أن الرزق لا يسوقه الى أحد حرص حريص و لا يرده عنه كراهة كاره فينبغى أن لا يذم الخلق بالرد و المنع. و يؤيده ما روى من طرق العامة «أن رزق اللّه لا يسوقه أليك حرص حريص و لا يرده عنك كراهة كاره».
(لو أن أحدكم فر من رزقه كما يفر من الموت لادركه رزقه كما يدركه الموت)
(٣) بالغ به في أن رزق كل أحد كموته بيده تعالى يوصله إليه قطعا أراده أو كرهه لان الحكيم القادر اذا جعل الوجود موقوفا على الرزق يمتنع عليه أن يقطع الرزق مع تحقق الوجود بل وجب عليه ايصاله، و ان لم يكن المرزوق عالما بطرقه و منه ينشأ الاضطراب و الهم و الحزن، و يحرك الى السؤال و الذم و الدافع له هو اليقين و الرضا عنه تعالى و لذلك حث على طلبهما للظفر بالروح في القلب و التخلص من الاضطراب و بالراحة في البدن و التنزه من ذل السؤال و خسائس الاكتساب
بقوله:
(ثم قال ان اللّه بعدله و قسطه)
(٤) العطف للتفسير
(جعل الروح و الراحة)
(٥) أى راحة القلب و سكونه عن الاضطراب و راحة البدن و فراغه من الاعقاب.