شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٧٥ - الحديث العشرون
بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر فأكلت حتّى سمنت فكان حتفها عند سمنها و لكن اجعل الدّنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها و تركتها و لم ترجع إليها آخر الدّهر، أخربها و لا تعمرها. فإنّك لم تؤمر بعمارتها، و اعلم أنّك ستسأل غدا إذا وقفت بين يدي اللّه عزّ و جلّ عن أربع: شبابك فيما أبليته و عمرك فيما أفنيته و مالك ممّا اكتسبته و فيما أنفقته، فتأهّب لذلك و أعدّ له جوابا، و لا تأس على ما فاتك من الدّنيا، فإنّ قليل الدّنيا لا يدوم بقاؤه و كثيرها لا يؤمن بلاؤه، فخذ حذرك، و جدّ في أمرك و اكشف الغطاء عن وجهك و تعرّض لمعروف ربّك و جدّد
و سبب لهلاكها ثم أمر بعدم الركون الى الدنيا و الاستقرار فيها للجمع و الادخار
بقوله:
(و لكن اجعل الدنيا بمنزلة قنطرة على نهر)
(١) هذا أيضا تمثيل و وجهه ظاهر اذ كل عاقل يعلم أن الدنيا محل العبور لا محل النزول كالقنطرة فانظر هل ترى فيها من السابقين أحدا، ثم أمر برفض كل ما لا يحتاج إليه
بقوله:
(اخربها و لا تعمرها فانك لم تؤمر بعمارتها)
(٢) لعل المراد باخرابها ترك ما لا يحتاج إليه من المطاعم و المشارب و الملابس و المساكن و المناكح و الاقتصار على القدر الضرورى فى كل منها. اذ لا بد للسالك من زاد للدنيا و زاد للآخرة فزاد الدنيا القدر الضرورى مما ذكر و كلما كان أقل فهو أحسن و أفضل و زاد الآخرة العلم و العمل و تهذيب الظاهر و الباطن و هو كلما كان اتم و أكثر كان أحسن و أجدر. و فى
قوله:
(و اعلم انك ستسال غدا)
(٣) ترغيب فى صرف قوة الشباب و العمر فى طلب الدين و العمل به و اكتساب المال من طرق الحلال و انفاقه فى الوجوه المشروعة و ارشاد الى التأهب و الاستعداد للجواب و مراقبة النفس و محاسبتها فى كل آن لئلا يقع فى هاوية النقصان و الخذلان.
(و لا تأس على ما فاتك من الدنيا- الى آخره)
(٤) و فيه ترغيب فى تطهير القلب عن حب الدنيا أى لا تحزن على ما فاتك من قليل الدنيا و كثيرها.
(فان قليل الدنيا لا يدوم بقاؤه)
(٥) و العاقل لا يتأسف بفوات قليل لا بقاء له
(و كثيرها لا يؤمن بلاؤه)
(٦) و العاقل لا يتأسف أيضا بفوات ما يوقعه فى الضرر و البلية
(فخذ حذرك)
(٧) الحذر «تهيئه كار» و لعل المراد به تجهيز أمر الآخرة بتطهير الظاهر و الباطن (وجد فى أمرك)
(٨) لعل المراد به تحلية الظاهر و الباطن بالاعمال الصالحة و الاخلاق الفاضلة.
(و اكشف الغطاء عن وجهك)
(٩) أى عن وجه قلبك. و غطاؤه ما يحجبه عن مشاهدة المعبود و ملاحظة المقصود و يمنعه من الوصول إليه و التقرب منه من مفاسد العقائد و مقابح الاعمال و الاخلاق، و كشفه رفعه الموجب لمشاهدة جلاله و كماله و الاتصال به اتصالا روحانيا.