شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٣ - الحديث الأول
إلى النّور، و يخرج الكافر من النّور إلى الظلمة بعد دخوله إلى النّور و ذلك قوله عزّ و جلّ: لِيُنْذِرَ مَنْ كٰانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكٰافِرِينَ.
(باب آخر منه) و فيه زيادة وقوع التكليف الاول
[الحديث الأول]
١- أبو عليّ الأشعري و محمّد بن يحيى، عن محمّد بن إسماعيل، عن عليّ بن الحكم عن أبان بن عثمان، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لو علم الناس كيف ابتداء الخلق ما اختلف اثنان، إنّ اللّه عزّ و جلّ قبل أن يخلق الخلق قال: كن
شائبة طينة الاخر.
قوله: (و ذلك قوله عز و جل)
(١) اشارة الى كون المؤمن مؤمنا و كون الكافر كافرا قبل اخراجهما و استشهاد له أى يدل على ذلك قوله تعالى «لِيُنْذِرَ» أى القرآن أو الرسول «مَنْ كٰانَ حَيًّا» بروح الايمان «وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ» أى كلمة العذاب «عَلَى الْكٰافِرِينَ» فان في لفظ كان دلالة على ثبوت الحياة بالايمان و استمرارها في جانب الماضى قبل الانذار، و في لفظ الكافرين اشعار بثبوت الكفر و استمراره كذلك قبله.
قوله: (باب آخر و فيه زيادة وقوع التكليف الاول)
(٢) يفهم من الروايات أن التكليف الاول و هو ما وقع قبل التكليف في دار الدنيا بارسال الرسل و انزال الكتب متعدد الاول كان في عالم الارواح الصرفة، الثانى كان وقت تخمير الطينة قبل خلق آدم منها، الثالث كان بعد خلق آدم منها حين اخرجهم من صلبه و هم ذر يدبون يمينا و شمالا و كل من أطاع في هذه التكاليف الثلاثة فهو يطيع في تكليف الدنيا و كل من عصى فيها فهو يعصى فيه و هنا تكليف خامس يقع في القيامة و هو مختص بالاطفال و المجانين و الشيوخ الذين أدركوا النبي و هم لا يعقلون و غيرهم ممن ذكر في محله.
قوله: (لو علم الناس كيف ابتداء الخلق)
(٣) خلق اللّه تعالى الارواح بعد توافقها في فطرة الايمان على مراتب متفاوتة في الايمان و الكمال و الادراك، و خلق الاجساد من مواد مختلفة بحسب اختلاف الارواح فيما ذكر، و وضع كل واحد منها فيما يليق به، و لو علم الناس كيفية تلك المراتب و كميتها و تفاوتها في قبول الكمال ما اختلف اثنان و لا يعير صاحب الكمال صاحب النقص [١] و هذا لا ينافي تعبير من بدل فطرته الاصلية و غير استعداده الذاتية بقبح أعماله و سوء أفعاله و ترك السعى فيما خلق له و طلب منه و يليق به، و مذام الشرع كلها من هذا القبيل.
[١] قوله «و لا يعير صاحب الكمال صاحب النقص» ان كان المراد بصاحب النقص أهل المعاصى فأول من عيرهم اللّه تعالى نفسه و لعنهم و بعده الملائكة و الأنبياء و الاولياء في آيات كثيرة و أحاديث متواترة، و لو كان مضمون هذه الرواية حقا لبطل كتاب اللّه تعالى و الاحاديث النبوية و اجماع أهل الحق، و ان كان مخالفة فرعون لموسى (ع) لعيب في طينته و لم يجز تعييره كيف يذمه و يلعنه اللّه و الملائكة و يتبرأ منه أتباع الأنبياء و اليهود و النصارى و المسلمون، قال العلامة المجلسى- (رحمه اللّه)- انها من متشابهات الاخبار و معضلات الآثار و مما يوهم الجبر و نفى الاختيار، و لا صحابنا رضى اللّه عنهم فيها مسالك الاول ما ذهب إليه الاخباريون و هو أنا نؤمن بها مجملا و نعترف بالجهل عن حقيقة معناها، الثانى أنها محمولة على التقية، الثالث أنها كناية عن علمه تعالى بما هم إليه صائرون، الرابع أنها كناية عن اختلاف استعداداتهم و قابلياتهم و هذا أمر بين لا يمكن انكاره و هذا لا يستلزم سقوط التكليف فان اللّه تعالى كلف النبي (ص) بقدر ما أعطاه من الاستعداد و كلف أبا جهل ما في وسعه و طاقته، الخامس أنه لما كلف اللّه تعالى الارواح أولا في الذر و اخذ ميثاقهم فاختاروا الخير و الشر باختيارهم تفرع اختلاف الطينة على ما اختاروه. انتهى ملخصا و هو حسن جدا. (ش)