شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢١٨ - الحديث الأول
فإنّهم لو اجتهدوا و أتعبوا أنفسهم- أعمارهم- في عبادتي كانوا مقصّرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي و النعيم في جنّاتي، و رفيع-
المبالغة في الاجتهاد لانها بالنسبة الى عظمة الحق و ما يستحقه من العبادة ناقصة و قد نطقت ألسنة الاولياء بأنهم ما عبدوه حق عبادته فكيف غيرهم و بالنظر الى نعيم الجنات و رفع الدرجات و كرامة الرب و جوار القرب قاصرة غير قابلة لاقتضائها مع أن مفاسد الاعمال كثيرة لا تخلص منها الى آخر العمر الا نادرا و الاتكال عليها موجب للعجب المهلك غالبا، و على هذا لا ينبغى للعاملين أن يتكلوا على محض أعمالهم و لا يثقوا بمجرد أفعالهم، بل ينبغى لهم مع الاجتهاد فيها و الاتيان بها تامة الاركان و تخليصها عن طريان المفاسد و شوائب النقصان أن يثقوا برحمة ربهم في دخول الجنان و يرجوا فضله في الكرامة و الاحسان و يطمئنوا الى حسن الظن به في قبول العمل و جبر النقصان، فان رحمته عند ذلك تدركهم و رضوانه يبلغهم في دار السلامة، و مغفرته تلبسهم لباس العفو و الكرامة و بهذا التقرير ظهر أن طمع من ترك العمل لحسن الظن به مقطوع، و أن قول من قال في هذا الخبر دلالة على أن العمل ليس سببا لدخول الجنة ممنوع كيف و قد قال جل شأنه «ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» و ملخص القول أن الاحسان بالعمل مع عمل آخر و هو الثقة بفضل اللّه و رحمته في قبوله سبب لدخولها و نيل درجاتها كما قال إِنَّ رَحْمَتَ اللّٰهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ هذا و قد ذهب جماعة من العامة ان العمل ليس سببا لدخول الجنة أصلا و استدلوا على ذلك بما رواه مسلم عن النبي (ص) أنه قال «لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة» و هذا بناء على أصلهم من أن اللّه تعالى يجوز أن يعذب المؤمن المطيع و يثيب الكافر، و أوردوا على أنفسهم أن ذلك منقوض بالآية المذكورة و أن العمل اذا لم يكن سببا أصلا فما الفائدة فيه؟ فأجابوا عن الاول بأن معنى الآية: ادخلوها بأعمالكم رحمة من اللّه لا استحقاق عليه، و قال المازرى معناها أن دخول الجنة بالعمل لكن بهدايته له و فضله فصح أنه لم يدخل الجنة بمجرد العمل. و أجاب أبو عبد اللّه الابى عن الثانى بأن القائلين بأن دخول الجنة انما هو بنعمة اللّه لا يلغون أثر الاعمال بل يقولون انما هو في رفع الدرجات.
أقول: يرد على الجواب الاول أن استفادة ذلك من الآية ممنوعة و على تقدير التسليم لا يخلو من تناقض لان قولهم ادخلوها بأعمالكم يفيد أن الاعمال سبب للدخول في الجملة و قولهم لا استحقاقا عليه يفيد أنها ليست سببا له و على جواب المازرى أنه لا ينافى كون الاعمال سببا في الجملة و على جواب الابى أنه اذا جاز أن تكون الاعمال سببا لعلو الدرجات