شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٨١ - الحديث الأول
يقول: و عزّتي و جلالي و عظمتي و علويّ و ارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هو اي على هوى نفسه إلّا كففت عليه ضيعته و ضمّنت السماوات و الأرض رزقه، و كنت له من وراء تجارة كلّ تاجر.
اذا توجه الى أمر واحد منها يتولد منه امور كثيرة و تشتبك فيه اشغال غير محصورة بعضها عقب بعض و صرف العمر فيها و الحرص فى تحصيلها يوجب هلاكه.
قوله: (و عزتى و جلالى و عظمتى و علوى و ارتفاع مكانى)
(١) العزة القوة و الشدة و الغلبة قيل و عزته عبارة عن كونه منزها عن سمات الامكان و ذل النقصان و رجوع كل شيء إليه و خضوعه بين يديه و العظمة فى صفة الاجسام كبر الطول و العرض و العمق و فى وصفه تعالى عبارة عن تجاوز قدره عن حدود العقول و الاوهام حتى لا يتصور الاحاطة بكنه حقيقته و صفاته عند ذوى الافهام و علوه علو عقلى على الاطلاق بمعنى أنه لا رتبة فوق رتبته و ذلك لان أعلى مراتب الكمال العقلى هو مرتبة العلية و لما كانت ذاته المقدسة مبدأ كل موجود حسى و عقلى لا جرم كانت مرتبته أعلى المراتب العقلية مطلقا و له العلو المطلق فى الوجود العارى عن الاضافة الى شيء، و عن امكان أن يكون فوقه ما هو أعلى منه، و هذا معنى قول أمير المؤمنين (ع) «سبق فى العلو فلا أعلى منه» و ارتفاع مكانه كناية عن عدم امكان الاشارة إليه بالعقول و الحواس.
(لا يؤثر عبد هواى على هوى نفسه)
(٢) المراد بهوى النفس ميلها الى ما هو مقتضى طباعها من اللذات الحاضرة الدنيوية و الخروج عن الحدود الشرعية و بهواه تعالى اعراضها عن هذا الميل و رجوعها الى ما يوجب القرب الى الحضرة الاحدية.
(الا كففت عليه ضيعته و ضمنت السموات و الارض رزقه)
(٣) يجوز فى ضمنت تشديد الميم و تخفيفها، و السموات منصوبة على الاول و مرفوعة على الثانى و ضيعة الرجل ما يكون منه معاشه كالصنعة و التجارة و الزراعة و غير ذلك، و لعل المراد بها المعيشة، و يؤيده ما روى من طرق العامة «المؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته» قال ابن الاثير أى يجمع عليه معيشته و يضمها إليه.
(و كنت له من وراء تجارة كل تاجر)
(٤) الوراء فعال و لامه همزة عند سيبويه و أبى على الفارسى و ياء عند العامة و هو من ظروف المكان بمعنى قدام و خلف، و التجارة مصدر بمعنى البيع و الشراء للنفع و قد يراد بها ما يتاجر فيه من الامتعة و نحوها على تسمية المفعول باسم المصدر، و لعل المراد أن كل تاجر فى الدنيا للآخرة يجد نفع تجارته فيها من الجنة و نعيمها و حورها و قصورها، و اللّه سبحانه بذاته المقدسة و التجليات اللائقة وراء هذا لهذا العبد الّذي آثر هواه على هوى نفسه. و فيه دلالة على أن للزاهدين فى الجنة نعمة روحانية أيضا، و يحتمل