شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٢٠ - الحديث العشرون
[الحديث العشرون]
٢٠- أبو عليّ الأشعري، عن الحسن بن عليّ الكوفي، عن عثمان بن عيسى، عن سعيد بن يسار، عن منصور بن يونس، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: في حكمة آل داود على العاقل أن يكون عارفا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه.
قوله: (على العاقل أن يكون عارفا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه)
(١) على العاقل أن يعرف حال أهل زمانه من الخير و الشر و الصلاح و الفساد و الحق و الباطل و يميز بينهم ليصفو له معنى الصحبة و العشرة و يبدو له محل الفرقة و العزلة و يتمكن من اجراء السياسة المدنية على القوانين النبوية، و يحب للّه و يبغض فى اللّه و يراعى الحزم و التقية فى موضعها و ان يقبل على شأنه فيصلح حاله ظاهرا و باطنا بالسياسة البدنية ليتمكن من العروج فى المعارج الروحانية و ان يحفظ لسانه عن اللغو و المزخرفات الشيطانية قال أمير المؤمنين (ع) «اذا تم العقل نقص الكلام» [١] و ذلك لان تفكره فى اللّه يمنعه من الاشتغال بما لا يعنيه.
[١] «قوله (ع) «اذا تم العقل نقص الكلام» ان للانسان قوة تسمى بالمتخيلة او المتصرفة أو المتفكرة أو المتذكرة باعتبارات مختلفة و هى عند الحكماء قوة جسمانية يعنون ان النفس يحتاج فى استخدامها الى آلة جسمانية هى الروح المصبوب فى التجويف الاوسط من تجاويف الدماغ و عملها التركيب و التفصيل فى مخزونات الذهن أى فى القوة الحافظة و ممن يستعمل القوة المتخيلة كثيرا الشعراء اذ يتفحصون عن كل شيء و ما يناسبه و يشابهه و يتتبعون صفاته و محاسنه و مقابحه و عما يؤثر فى نفوس السامعين من الشوق و النفرة و أمثال ذلك و هذا البحث البالغ عن مكنونات الخواطر لقوة من قوى الانسان يختلف فيها أفراد البشر ضعفا و شدة. و يستعملها أيضا المخترعون و المهندسون بجمع الاشكال و تفريقها و يستعملها العلماء و الحكماء عند الاستدلال و التفكر فى تهيئة المقدمات و تركيبها و استنباط المجهولات من المعلومات بتفحص ما فى حافظتهم ليجدوا ما ينفع فى مقصودهم و يستعملها الناس جميعا لتذكر ما غاب عن ذهنهم بتتبع ما ارتكز فى خاطرهم حتى يتذكروا ما لم ينسوه و قد يتسلسل بسببها مكنوناتهم باختيارهم أو بغير اختيارهم خدمة لقوتهم المسماة بالواهمة و قد اشرنا الى الواهمة. و على كل حال المتخيلة قوة جسمانية اذ يعرض بكثرة أعمالها الكلال و الاعياء بل العجز و هذه من صفات الاجسام بخلاف العقل فانه لا يكل بتكثر المعقولات و لا يعجز عن حملها و العقل اذا تم و كمل منع بقاهريته جميع القوى عن الاسترسال فيما لا يفيده و أجبرها على خدمته فلا مجال لمتخيلة العاقل الا فى التفكر الصحيح و لذلك قد تسمى متفكرة و لا يبقى لها فرصة لتركيب الفضول و الهذر و خدمة الواهمة فى ما لا يعنيه و نعلم أن التكلم غير ممكن الا باعمال المتخيلة من تركيب المفاهيم و المعانى و احضار مكنونات الخواطر مما لا يفيد فائدة أو يفيد و لو صرف النظر عن هذه النقيصة و العيب فالكلام بنفسه دليل على العقل و أن صاحبه مدرك للكليات لان الالفاظ غالبا كليات و لذلك سمى ادراك الكليات نطقا و لا يتكلم الحيوان اذ لا يدرك الكلى بل انما يتأثر حاسته من الموجودات الخارجية فقط و منّ اللّه تعالى على الانسان بتعليم البيان فمقصود الامام (ع) نقص الكلام فى الفضول و ما لا يعنى و لا ينفع أو يضر، و خلق الكلام ليكون معينا للعقل لا ليمنعه عن وظائفه. (ش)