شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٣٧ - الحديث الثاني عشر
و كان فيها ما شاء اللّه و كانت السفينة مأمورة فطافت بالبيت و هو طواف النساء و خلّى سبيلها نوح (عليه السلام)، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى الجبال أنّي واضح سفينة نوح عبدي على جبل منكنّ، فتطاولت و شمخت و تواضع الجوديّ و هو جبل عندكم فضربت
قوله: (فطافت بالبيت و هو طواف النساء)
(١) ذكر أولا طواف البيت و ذكر آخرا الجزء الاخير منه للدلالة على أنها أتت بجميع الافعال حتى الجزء الاخير. (فتطاولت و شمخت)
(٢) التطاول غلبه كردن بر يكديگر به درازى، و الشموخ بلند كردن و تكبر كردن و فعله من باب منع و الجبل الشامخ المرتفع، و منه قيل شمخ بأنفه اذا تكبر و تعظم و ذلك لظن كل واحد من تلك الجبال نظرا الى عظمة حجمه و زيادة عرضه و طول مقداره أنه ذلك الجبل الموعود.
(و تواضع الجودى)
(٣) نظرا الى صغر حجمه و قلة عرضه و قصر مقداره و قطع الطمع من أن يكون هو ذلك الجبل الموعود مع وجود الجبال الشامخات. قيل هو جبل صغير كان فى نجف أمير المؤمنين (ع) و قال صاحب القاموس هو جبل بالجزيرة استوت عليه سفينة نوح (ع) و فيه دلالة على ان للجبال نفوسا [١] و الحمل على نحو من التخييل و نوع من التمثيل، أو على أنه
[١] قوله «على ان للجبال نفوسا» الّذي هدى الناس الى وجود النفوس و دعاهم الى القول به فى النبات و الحيوان مشاهدة امور فيها لا يمكن أن ينسب الى الطبيعة أى الصورة النوعية التى وجدوا مثلها فى الجمادات لعدم كونها على نهج واحد فالشجر ينمو و يتفرع من أصله الاغصان و الاوراق و فى كل واحد عروق كثيرة دقيقة و غليظة و له خشب و جلد و أزهار و ثمار و بالجملة له آلات مختلفة متشتتة لا على نهج واحد لافعال و وظائف مختلفة متجهة الى مقصد واحد هو مصلحة الجملة و الجمادات يترتب عليها آثار على نهج واحد و لو ضم جماد الى جماد لم يتوجها الى مقصد واحد فى آثارهما و لم يعمل كل لمصلحة الاخر كما نرى فى أعضاء النبات و آلاتها، بل يعمل كل لمصلحة أفراد أخر كآلات التناسل فى الزهر و البذر لحفظ النوع قالوا فيوجد فى النبات شيء هو مبدأ لامور لا يوجد مثلها فى الجماد و سموه نفسا و كذلك الحيوان و الانسان، و أما الافلاك فرأوا فيها حركة مستديرة و ان لم يروا فيها ما فى النبات و الحيوان من الآلات المختلفة فأثبتوا لها أيضا نفوسا اذ لا يمكن نسبة حركة مستديرة الى طبيعة جمادية مثل من يرى رحى يدور بنفسه من غير أن يرى له مديرا من ماء و هواء و غيرهما ينسب دورانه قهرا الى جن أو ملك أى الى موجود حي غائب له إرادة، و أما الجبال فلم يروا فيها ما يستدل به على وجود النفس اذا رأوها كسائر الجمادات. و لكن عدم الآثار و الشواهد لا يدل على عدم النفس.
و انما الدلالة فى الوجود فقط، مثلا وجود الدخان دليل وجود النار أما عدم الدخان فلا يدل على عدم النار، و عدم مشاهدة آثار النفس فى الجبال لا يدل على عدم وجود موجود حي مدبر للجبال نظير تدبير نفس الشجر للشجر. نعم يمكن ان يضايق فى اطلاق اسم النفس عليه و لكنه أمر اصطلاحى أو لغوى يمكن أن يتخلص عنه بان يسمى شيئا آخر حتى لا يكون غلطا لغويا و العمدة اثبات وجود مدبر قاهر حي مريد لتدبير كل شيء، و اصطلح الحكماء على أن يسموا مثله عقلا و لعل الملائكة الموكلين بالجبال و الرياح و الامطار و الرعد و البرق و غيرهما على ما أشير إليه فى قوله تعالى «فَالْمُدَبِّرٰاتِ أَمْراً» هذه الموجودات الحية العاقلة المدبرة المسماة بالعقول و اللّه اعلم بالحقيقة و الغرض رفع الاستبعاد عن كلام الشارح و اثباته النفس للجبال. (ش)