شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣١ - الحديث الثاني
من حسن سيماء من خالفك، إنّ اللّه تبارك و تعالى لمّا أراد أن يخلق آدم خلق تلك الطينتين، ثمّ فرّقهما فرقتين، فقال لأصحاب اليمين: كونوا خلقا بإذني، فكانوا
و في المصباح السمت الطريق و القصد و السكينة و الوقار و الهيئة، و لما جاء السمت بمعنى الطريق [١] كان كلام السائل يوهم أن من خالفنا حسن مستقيم و ذلك خطأ فلذلك نهاه عن ذلك القول و أمره بما هو أحسن منه لان السيماء صفة لرجل يفرح بها من ينظر إليه سواء كان من أهل الحق أو الباطل.
قوله: (له وقار)
(١) أى سكينة نفسانية و طمأنينة جسمانية.
قوله: (خلق تلك الطينتين)
(٢) اشارة الى الطينة المعلومة للمخاطب من سياق الكلام أو
[١] قوله «و لما جاء السمت بمعنى الطريق» الحديث مرسل و توجيه الشارح تكلف و يشبه أن يكون المراد ببعض أصحابنا السيارى أو أحد الاعاجم مثله قليل المعرفة بلسان العرب أو قليل الاهتمام به فزعم أن السمت منحصر في سمت الطريق و هو المعنى المشهور و كان المعنى الاخر غريبا لديه. و اما ما تضمن معناه من اختلاط الطينتين فالكلام فيه ما في أمثاله. و اعلم أن اختلاف النفوس في استعداداتها و صفاتها مما لا ينبغى أن ينكر بل هو محسوس و مروى قال رسول اللّه (ص): «الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة» قال صدر- المتألهين (قدس سره) يتفاوت العقول و الادراكات و الاشواق و الارادات بحسب اختلاف الطبائع و القوى و الغرائز و الجبلات فينزع بعضهم بطبعه الى ما ينفر عنه الاخر و يستحسن بعضهم بهواه ما يستقبحه الثانى و العناية الالهية اقتضت نظام الوجود على أحسن ما يتصور و أجود ما يمكن من التمام و لو تساوت الاستعدادات لفات الحسن و الفضل في ترتيب النظام الى آخر ما قال. و لا يخفى أن اختلافهم في ذلك لا ينافى اتفاقهم في قدرة فهم التكاليف و اختيارهم في فعل الخير فهم متفقون فيما هو مناط التكلف و مختلفون في استعداد العلوم و الصنائع و لا يلزم الاختلاف في الاستعداد ظلما و انما يلزم الظلم أن يكونوا متفقين في التكليف مع الاختلاف في الاستعداد و لو فرض أن أحدا بلغ في البلادة الى حد لا يعقل التكليف أصلا التزمنا برفع التكليف عنه كالمجانين. و قال صدر المتألهين في بعض كلامه فمن أساء عمله و أخطأ في اعتقاده فانما ظلم نفسه بظلمة جوهره و سوء استعداده و كان أهلا للشقاوة في معاده، و انما قصر استعداده و أظلم جوهره لعدم كونه أحسن مما وجد كما لا يمكن أن يلد القرد انسانا مثلا في أحسن صورة و أكمل سيرة، أقول بعد ما سبق منه- (قدّس سرّه)- في الحاشية السابقة و غيرها من نفى الجبر و اثبات الاختيار و ان علم الواجب بما سيقع لا يوجب الجبر في فعل الانسان كما لا يوجبه في فعل نفسه تعالى وجب حمل ما ذكره أخيرا من شقاوة قاصرى الاستعداد على النقص اللازم لكل ممكن عن ما فوقه من المراتب كنقص الدواب عن كمال الانسان فانها لا تتالم بهذا النقص اذ لا تدركه و التألم فرع الادراك و ليس عذابا لها جزاء على تقصيرها في امتثال تكاليفها و قد صرح هو بذلك في مواضع من كتبه، و قال أيضا: و كما لا تعترض على اقبح الناس أنه لم لا يكون مثل يوسف في الحسن كأبي جهل فكذلك لا تعترض على شر الناس كأبي جهل مثلا لم لا يكون مثل خير الناس كمحمد (ص) فان اختلاف الغرائز و الشمائل كاختلاف الاشكال و الطبائع الى آخر ما قال، و التمثيل بأبى جهل الحاق في الموضعين و الحق أنه لا يعترض على أبى جهل و أمثاله في نقصه العقلى و عدم وصوله في الكمال الذاتى الى كمال الرسول (ص) و انما يعترض عليه و على أمثاله بانهم تنزلوا عما اعطوه من الفهم و العقل فصاروا كالانعام بل هم أضل بعد أن كان فيهم ما به تفوقوا عليها.
و اعلم أن الاعتقاد بالقدر و أن كل شيء في هذا العالم مطابق لما ثبت في عالم آخر قبله من لوازم الايمان بعالم الغيب و لذلك ترى الماديين و المائلين إليهم ينفونه و قال بعض الملاحدة: القدر للانسان هو الطريقة التى يختارها و كتابه هو الّذي يحويه وجوده و يتتبع بيده اوراقه، و الحق ان لا يتفحص عن سابقة له في عالم غير مرئى بل ليس هناك الا سيره في هذا العالم المحسوس و هذا الّذي ذكره اشنع من اعتقاد أبى جهل. (ش)