شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٧٩ - الحديث الثالث و العشرون
يواري به عورته من أغلظ ما يجد و أخشنه و لم يكن له فيما لا بدّ له منه ثقة و لا رجاء، فوقعت ثقته و رجاؤه على خالق الأشياء، فجدّ و اجتهد و أتعب بدنه حتّى بدت الأضلاع و غارت العينان فأبدل اللّه له من ذلك قوّة في بدنه و شدّة في عقله و ما ذخر له في الآخرة أكثر، فارفض الدّنيا فإنّ حبّ الدّنيا يعمي و يصمّ و يبكم و يذلّ الرّقاب فتدارك ما بقي من عمرك و لا تقل غدا [أ] و بعد غد، فإنّما هلك من كان قبلك بإقامتهم على الأماني و التسويف حتّى أتاهم أمر اللّه بغتة و هم غافلون، فنقلوا على
البرد
(و لم يكن له فيما لا بد له منه ثقة و لا رجاء)
(١) نفى الثقة و الاعتماد فيما لا بد منه عند كونه حاصلا و نفى الرجاء عند عدم كونه حاصلا.
(فوقعت ثقته)
(٢) عند الحصول
(و رجاؤه)
(٣) عند عدمه
(على خالق الاشياء)
(٤) هذا غاية الزهد و التوكل حيث قطع تعلقه بالوسائط و الاسباب و خص تعلقه برب الارباب.
(فجد و اجتهد)
(٥) أى فجد فى السير إليه و العمل له و اجتهد فى تهذيب الظاهر و الباطن مما يمنع القرب منه
(و اتعب بدنه)
(٦) بأنحاء العبادات و الرياضات.
(حتى بدت الاضلاع)
(٧) لشدة هزاله بكثرة التعب و قلة الغذاء
(و غارت العينان)
(٨) لكثرة السهر و قلة النوم
(فابدل اللّه له من ذلك قوة فى بدنه)
(٩) يتحمل بها الاعمال الشاقة مع ضعف البنية
(و شدة فى عقله)
(١٠) يدرك بها الاسرار اللاهوتية و يتحمل الانوار الملكوتية
(و ما ذخر له فى الآخرة)
(١١) من الاجر الجميل و الثواب الجزيل و المقامات العالية و الدرجات الرفيعة
(أكثر)
(١٢) مما آتاه فى الدنيا
(فارفض الدنيا فان حب الدنيا)
(١٣) و هو ميل النفس إليها بحيث يفرح بحصولها و يحزن بفواتها.
(يعمى و يصم و يبكم و يذل الرقاب)
(١٤) المراد بالعمى عمى البصيرة فان حب الدنيا حاجز بينها و بين الحق و أسراره، مانع من ادراكهما. و يحتمل عمى البصر فان حبها مانع من ادراك البصر تقلبها على أهلها و ادراك نوائبها الدالة على هوانها كما أنه مانع من سماع نداه الداعى الى فراقها و آيات الحق على زوالها و فنائها و من التكلم بالاوامر و النواهى و تقبيح المنكرات لان كل ذلك مناف لما ارتكبه من الميل الى الدنيا و حب الشهوات و هو مع ذلك موجب لذل الرقاب اذ فى حبها و تحصيلها و ضبطها و حفظها من أهل الجور مذلة ظاهرة لاولى الالباب
(فتدارك ما بقى من عمرك)
(١٥) و اصرفه فى عبادة ربك و تدارك ما فات و انصرف عن حب الدنيا الى المقتنيات
(و لا تقل غدا و بعد غد فانما هلك من كان قبلك باقامتهم على الامانى و التسويف)
(١٦) هذا قول أهل الامانى و الامال و مناطه حب الدنيا فان حبها يبعثه على صرف العمر فى تحصيلها و جمعها و ضبطها و صرف الفكر فى كيفية تحصيل ما يأمل و يرجو منها و تدبير