دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٩١ - في الفور و التراخي
جواز التراخي، و الدليل عليه: تبادر طلب إيجاد الطبيعة منها بلا دلالة على تقييدها بأحدهما، فلا بد في التقييد من دلالة أخرى، كما ادّعي دلالة غير واحد من الآيات على الفورية (١).
على عدم دلالة الصيغة على شيء من الفور و التراخي «هو: تبادر طلب إيجاد الطبيعة منها» أي: من الصيغة «بلا دلالة على تقييدها» أي: الطبيعة المأمور بها «بأحدهما» أي:
الفور و التراخي، «فلا بد في التقييد من دلالة أخرى» أي: غير الدلالة الراجعة إلى الصيغة.
فالمتحصل: أنه إذا تمسكنا بالإطلاق و نفينا به الفورية كان لازم ذلك: جواز التراخي لأنه لا فرق في حجية الأصول اللفظية بين المثبت منها و غيره، هذا فيما إذا كان هناك أصل لفظي كالإطلاق مثلا.
و أما إذا لم يكن- كما إذا كان الدليل مجملا- فالمرجع هو الأصل العملي- و هو في المقام أصالة البراءة- للشك في اعتبار خصوصية زائدة كالفور و التراخي، و حيث لا دليل عليه فأصالة البراءة تقتضي عدم اعتبارها، و لازم ذلك: جواز التراخي.
و كيف كان؛ فالحق عند المصنف هو: عدم دلالة الصيغة على الفور و التراخي إلّا بالدلالة الخارجية، و يتمسك بالأدلة الخارجية كآيتي المسارعة و الاستباق على الفورية.
(١) قال في المعالم في عداد أدلة القائلين بالفور: الرابع: قوله تعالى: وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [١] فإن المراد بالمغفرة سببها و هو فعل المأمور به لا حقيقتها؛ لأنها فعل الله سبحانه، فيستحيل مسارعة العبد إليها، و حينئذ فيجب المسارعة إلى فعل المأمور به.
و قوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ* [١]؛ فإن فعل المأمور به من الخيرات فيجب الاستباق إليه، و إنما يتحقق المسارعة و الاستباق بأن يفعل بالفور و هو المطلوب عند القائلين بالفور، فالحاصل: أن الإتيان بالمأمور به خير و سبب للمغفرة، ثم المراد بغفران السيئات ليس هو الإحباط بمعنى: مقابلة السيئة للحسنة، ثم حصول الكسر و الانكسار في الدنيا؛ لبطلان هذا بالإجماع؛ فإن العقلاء يحكمون بأن الناس مجزيون بأعمالهم، و أما بمعنى:
إذهاب أحدهما الآخر مع بقائه فلا إشكال فيه؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات، و الكفر و الشرك و الغيبة و الحسد يحبط الحسنات.
و كيف كان؛ فدلالة التسابق على الفور واضحة؛ لأن فعل المأمور به من الخيرات، فيجب الاستباق إليه بمقتضى الآية المباركة.
و أما آية المسارعة: فلأنه لمّا كانت المسارعة إلى المغفرة- التي هي من أفعال اللّه تعالى
[١] آل عمران: ١٣٣.