دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٦٥ - المرجع عند الشك في الامتثال هي أصالة الاشتغال
الاعتبار، و إن كان قضية الاشتغال عقلا هو الاعتبار لوضوح: أنه لا بد في عمومها من شيء قابل للرفع و الوضع شرعا، و ليس هاهنا؛ فإن دخل قصد القربة و نحوها في الغرض ليس بشرعي، بل واقعي، و دخل الجزء و الشرط فيه و إن كان كذلك إلّا إنهما قابلان للوضع و الرفع شرعا، فبدليل الرفع (١)- و لو كان أصلا- يكشف أنه ليس
للمأمور به، فكما تجري البراءة فيهما فكذلك في المقام أي: في قصد القربة.
فالحاصل أن غرضه: دفع ما يتوهم في المقام من قياس الشك في اعتبار قصد الأمر؛ بالشك في جزئية شيء أو شرطيته في جريان البراءة الشرعية الرافعة لخطر العقاب.
و حاصل الدفع لهذا التوهم: أن قياس المقام- بما إذا كان الشك في جزئية شيء أو شرطيته- قياس مع الفارق فيكون باطلا.
و توضيح الفرق يتوقف على مقدمة و هي: أن أدلة البراءة تجري في الأشياء التي تكون قابلة للوضع.
إذ كل ما قابل للوضع قابل للرفع بأدلة البراءة، و كل ما لا يكون قابلا للوضع لا يكون قابلا للرفع فلا تجري فيه البراءة.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الفرق بين الأجزاء و الشرائط و بين قصد القربة أظهر من الشمس و هو أنهما قابلان للوضع، فيكونان قابلين للرفع.
هذا بخلاف قصد القربة بمعنى: الداعي إلى الأمر، إذ قد عرفت غير مرة أنه غير قابل للوضع حتى يمكن رفعه شرعا، فلا تجري فيه البراءة؛ لما تقدم من أن أدلة البراءة تجري في الأشياء القابلة للوضع في متعلق الأمر؛ حتى يمكن رفعها بأدلة البراءة بعد تمامية مقدمات الإطلاق المقامي.
و من هنا يعلم: أن مقدمات الإطلاق المقامي تامة في الجزء و الشرط المشكوكين، و لا تتم في قصد القربة بالمعنى المذكور؛ إذ لا تناله يد الجعل فكيف يمكن رفعه بأدلة البراءة؟
فلهذا يرجع إلى الاحتياط و الاشتغال.
(١) أي: بدليل الرفع سواء كان اجتهاديا كإطلاق مقالي أو مقامي، أو كان أصلا عمليا، كما أشار إليه بقوله: «و لو كان أصلا» مثل: أصالة البراءة حيث يستكشف بها عن عدم تعلق أمر فعلي بالمركب المشتمل على المشكوك فيه أو المقيد به، فلا يجب الخروج عنه و لو كان ثابتا واقعا، و هذا بخلاف قصد القربة؛ فإن حكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكليف المعلوم يقتضي إتيان الواجب بقصدها، لتوقف الفراغ عليه، و هذا الحكم العقلي يوجب فعلية وجوب الإتيان كذلك.