دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣١٢ - دفع إشكال تخلف المراد عن الإرادة
إن قلت: (١) إذا كان الكفر و العصيان، و الإطاعة و الإيمان بإرادته تعالى التي لا
و هي: أنه عرفت: أن للّه تعالى إرادتين؛ التكوينية و التشريعية، ثم هما إما متوافقتان أو متخالفتان؛ بمعنى: أن الإرادة التكوينية إما تعلقت بعين ما تعلقت به الإرادة التشريعية، أو بغيره؛ مثلا: تعلقت الإرادة التكوينية بإيمان العبد، كما أن الإرادة التشريعية تعلقت به.
هذا معنى توافقهما. أما تخالفهما ففيما إذا تعلقت الإرادة التكوينية على خلاف التشريعية حيث إنها متعلقة بالإيمان دائما.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه يلزم الجبر على كلتا الصورتين، و ذلك لما عرفت:
من استحالة تخلّف الإرادة التكوينية عن المراد، و المفروض: تعلقها بإيمان العبد و إطاعته في الصورة الأولى، و بكفره و عصيانه في الصورة الثانية، فلا بد من الإطاعة و الإيمان في الصورة الأولى؛ كما أشار إليه بقوله: «فإذا توافقتا فلا بد من الإطاعة و الايمان».
و كذلك لا محيص عن أن يختار الكفر و العصيان في الصورة الثانية، فيخرج العباد عن كونهم مختارين في أفعالهم، بل هم مجبورون في أفعالهم و ليس هذا إلّا الجبر الذي يلتزم به الأشعري.
و المتحصل مما ذكرناه: أن معنى توافق الإرادتين بأن يكون صدور فعل من الأفعال عن مكلف خاص ذا مصلحة، و كان أيضا دخيلا في النظام الأكمل، فكان موردا للإرادتين، فلا بد حينئذ من الإطاعة و الإيمان.
و معنى تخالفهما: بأن يكون صدور الفعل عن المكلف ذا مصلحة له، و لكن كان مخلا بالنظام الأكمل، فكان وجوده موردا للإرادة التشريعية، و عدمه موردا للإرادة التكوينية، فلا محيص حينئذ: عن أن يختار الكفر و العصيان أعني: عدم الإيمان و الاطاعة.
(١) قوله: «إن قلت» بيان للإشكال المتولد عن توافق الإرادتين أو تخالفهما.
توضيح ذلك يتوقف على مقدمة: و هي أن التكاليف الشرعية مشروطة بشرائط؛ منها: القدرة و الاختيار و ذلك لقبح التكليف بغير ما هو مقدور المكلف عقلا.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه إذا تعلقت إرادته تعالى التكوينية بإيمان شخص و إطاعته- هذا في صورة توافق الإرادتين- أو تعلقت بكفره و عصيانه- هذا في صورة تخالفهما- امتنع تعلق التكليف بهذه الأمور؛ لصيرورتها غير مقدورة للعبد بعد تعلق إرادته تعالى التكوينية بها؛ الموجبة لضرورية وجودها، فلا يبقى حينئذ اختيار للعبد يوجب صحة التكليف بها، و على هذا فيكون العبد مضطرا إلى اختيار الكفر و العصيان أو الإطاعة و الإيمان و ليس هذا إلّا الجبر.