دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٨٦ - في كون الأمر حقيقة في الوجوب
و قوله (١) (صلى اللّه عليه و آله): لبريرة بعد قولها: أ تأمرني يا رسول الله؟: «لا، بل إنما أنا شافع»، إلى غير ذلك (٢)، و صحة (٣) الاحتجاج على العبد و مؤاخذته بمجرد
بقرينة المشقة، و المدعى: دلالة لفظ الأمر على الوجوب بلا قرينة.
(١) هذا ثالث أدلة القائلين بكون الأمر حقيقة في الوجوب.
و خلاصة الكلام في قصة بريرة؛ كما رويت [١]: أن بريرة كانت أمة لعائشة و زوجها كان عبدا، ثم أعتقتها عائشة، فلما علمت بريرة بخيارها في نكاحها بعد العتق أرادت مفارقة زوجها، فاشتكى الزوج إلى النبي «(صلى اللّه عليه و آله)»، فقال «(صلى اللّه عليه و آله)» لبريرة: «ارجعي إلى زوجك فإنه أبو ولدك و له عليك منّة».
فقالت: يا رسول الله «(صلى اللّه عليه و آله)»: أ تأمرني بذلك؟ فقال «(صلى اللّه عليه و آله)»: لا إنما أنا شافع».
و أمّا تقريب الاستدلال به: أن نفي النبي «(صلى اللّه عليه و آله)» للأمر بقوله: «لا بل إنما أنا شافع» بعد قولها: «أ تأمرني يا رسول الله «(صلى اللّه عليه و آله)»، دليل على كونه للوجوب؛ إذ لو لم تكن دلالة الأمر على الوجوب مركوزة في الأذهان لم يكن وجه و سبب لاستفهام بريرة، و سؤالها منه.
و أمّا كونه مؤيدا لا دليلا: فلأن الاستعمال أعم من الحقيقة و المجاز؛ إذ غاية ما يستفاد من الرواية هو: استعمال الأمر في الوجوب و هو أعم، و المدعى هو كونه حقيقة فيه.
هذا مضافا إلى وجود القرينة على الوجوب و هي مقابلة الأمر بالشفاعة؛ لأنها تستعمل في صورة رجحان الفعل، فالأمر في مقامها إنما هو للوجوب و الإلزام؛ لا للرجحان و الاستحباب.
(٢) إلى غير ذلك من موارد استعمال مادة الأمر في الكتاب و السنّة في الوجوب؛ نحو قوله تعالى: أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ* أي: وجبت عليّ عبادة الله و طاعته «سبحانه و تعالى». و نحو قول النبي «(صلى اللّه عليه و آله)»: «أنا مأمور بالتبليغ» أي: وجب عليّ البلاغ. و غيرهما.
(٣) أي: هذا عطف على قوله: «انسباقه» ليكون دليلا ثانيا لا مؤيدا؛ حيث إنه بمنزلة
[١] غوالي اللآلي، ج ٣، ص ٣٤٩، ح ٢٨٤/ صحيح ابن حبان، ج ١٠، ص ٩٦، ح ٤٢٧٣/ سنن أبي داود، ج ٢، ص ٢٧٠، ح ٢٢٣١/ المعجم الكبير للطبراني، ج ١١، ص ٣٤٥، ح ١١٩٦٢. إلخ.