تكمله أمل الآمل - الصدر، السيد حسن - الصفحة ٤٣٩ - خاتمة
و مثل الشيخ حسن سليمان، الزاهد العالم، و الشيخ محمد الحرّ الفقيه المحقّق، الذي فرّ بنفسه من ظلم الجزّار، معتصما بآل حرفوش، أمراء بعلبك، فكان فيهم آمنا مطمئنّا، حتى أتاه البشير بمولود له جديد، و بموت أحمد باشا الجزّار، في وقت واحد، فسمى ولده سعيدا، و رجع إلى بلده جبع و هو مخلّى السرب.
و أمثال هؤلاء في هذا الدور كثيرون، لكن ظلم الجزّار بلغ مبلغا عظيما في الضغط على العلماء و الكبراء، حيث تعقّبهم قتلا و سجنا و تعذيبا و مصادرة، و تشتّت من بقي منهم في الأقطار، و استصفى الجزّار آثارهم العلميّة، فكان لأفران عكّا من كتب جبل عامل ما أشغلها بالوقود أسبوعا كاملا، و كانت هي الضربة الكبرى على العلم و أهله.
و ما ظنّك ببلاد حرص أهلها على طلب العلم حرصا شديدا، و لم ينقطع عنها مدده، و جال علماؤها البلاد النائية في طلبه، و اقتناء كتبه، حتى جمعت لديهم تلك الذخائر في قرون و أجيال، كانت بعد ذلك طعما للنار، في مصادرات الجزّار، قد أخذ منها نزر قليل اقتناه بعض فضلاء تلك الجهات، و كان لبعض أفاضل طرشيخا و الزيب منها سهم حسن.
و ألقي على أهل جبل عامل الخذلان بعد قتل زعيمهم ناصيف النصّار، و وقعوا في هاوية عسف الجزّار، و مصادراته، ففترت الهمّة في سبيل العلم، و غلقت مدارسه، و وقع أبناء بلاد بشارة من ذلك في بحران عظيم، لم تنجل عنهم غمّته، حتى أجاب الجزّار داعي ربه، فاستفاق الناس من ذلّهم، و رجعت حركة العلم إلى عهدها، و فتحت مدرسة الكوثريّة بإدارة العالم المحقّق الشيخ حسن قبيسي، فكانت مصدر فائدة و معرفة على البلاد، تخرّج فيها حمد بن محمد بن محمود بن نصّار أخو ناصيف النصّار، المعروف باسم حمد بك، الذي تولّى بعد ذلك الزعامة، في بلاد بشارة عموما، و لقّب بشيخ مشايخها.