أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ٢٤٩ - النور الرابع و العشرون و هو نور الإحاطة
هذه المسألة، و لم يقفوا فيها على نصّ غير محتمل يقطع النزاع و يرفع الخلاف.
و قالوا: إن القطع فيها بأمر يخاف أن يوقع في أحد شيئين: إما في استنزال سيد الكائنات (صلى اللّه عليه و سلّم) عن قدره الرفيع، و جنابه العلي المنيع، و إما في سوء الأدب مع اللّه تعالى بتسوية بعض مخلوقاته به، و ذلك أيضا يسوء المصطفى (صلى اللّه عليه و سلّم) و يؤذيه، و لذا حذر من مثله في قوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد اللّه و رسوله» [١].
و حينئذ فالتوقف و تفويض الأمر إلى اللّه تعالى فيها أولى و أسلم في عاقبة المرء، ورد الأمر إلى اللّه تعالى في مواطن الاشتباه من العلم، و من الرأي السديد في الدين.
هذا مع اعتقاد أنه (عليه السّلام) نال من ربه المكانة التي لا مكانة فوقها، و الرتبة التي لا يمكن أن ينالها بشر و مخلوق سواه، و أنه سيد الكائنات، و مفخر أهل الأرض و السموات، و نقطة الكون، و عروس المملكة، و أصل الوجود، و مادة كل موجود (صلى اللّه عليه و سلّم)، و ممن نحا إلى هذا صاحب «نشر المثاني في أهل القرن الحادي و الثاني»، و هو الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن الطيب القادري الحسيني الفاسي، و ذلك في ترجمة التاجموعتي بعد ما ذكر كلاما له في هذه المسألة يصحح فيه رأيه فيها و يرد القول بخلافه و نصه:
و لا خلاف بينه و بين من حاجه من أهل فاس في أنه (صلى اللّه عليه و سلّم) يعلم كثيرا من الغيب مما يتعلق بالدنيا و الآخرة، و يعلم جميع ما دلّت على علمه هذه الأحاديث-: أي المذكورة في كلامه- و أكثر من ذلك؛ لأنها لا تدل على الإحاطة بالمعلومات، ثم قال: و إنما نزاع من نازع في القدر الزائد على ذلك، و اللّه أعلم.
ثم الإمساك عن الخوض في هذا الزائد أحسن؛ لأنه لم ينقل لنا كلام عن أسلافنا فيه، و اللّه أعلم، مع اعتقاد أنه (صلى اللّه عليه و سلّم) بأعلى درجات الكمال في الدرجة التي لا درجة فوقها، و أنه (صلى اللّه عليه و سلّم) سيد الأولين و الآخرين، و لا يعلم قدره إلا خالقه رب العالمين، قال في «محصل المقاصد»:
[١] رواه البخاري (٣٢٦١).