أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ٢٦٥ - النور الواحد و الثلاثون و هو نور العبودية
و اللاهوتيّة، فلم يكن أثبت له في الأسماء من هذا الاسم و لا أتم إحاطة، فالعبد باللّه قائم، كما كان يقول (صلى اللّه عليه و سلّم): «أ إنا بك! [١]».
و كما قال لعليّ رضي اللّه عنه في نقش خاتمه: «نحن باللّه [٢]».
فإذا نطق الناطق بهذا الاسم: (عبد اللّه) أحاط إحاطة كمال بالبادي العبدانيّ، فدخل كل تفصيل في ضمن نطقه و معناه و حقيقته، كما انتظم اسم العظيم (اللّه) جميع أسمائه مما لا يناله الإحصاء، كذلك اسمه (العبد) ينتظم من أسمائه (صلى اللّه عليه و سلّم) مما لا يناله الإحصاء.
كذلك كان يقول (صلى اللّه عليه و سلّم): «قولوا: عبد اللّه [٣]»؛ و لأن سائر الأسماء التي هي من أوصاف تجلّيات اللّه عن اسمه مما يسلمها العبد إلى ربّه؛ لأنها مشقوقة من أسماء اللّه و أوصافه، كما قال (صلى اللّه عليه و سلّم): «أنا الذي شقّ اللّه اسمي من اسمه، فاللّه محمود و أنا محمد و لا فخر [٤]»، و سائر أسمائه تفاضيل من معنى ما يجمعه له (محمد) إلا اسم (العبد)؛ فإنه ليس له بمشوق من اسم من أسماء اللّه تعالى، فكان أصل كل اسم له، فأسلم اللّه ما سواه أداء لأمانته، فكذلك كان يقول (صلى اللّه عليه و سلّم): «لا تضرّوني كما أضرّت النصارى عيسى، و لكن قولوا: عبد اللّه [٥]»، فاستثبت ما هو ثابت، و أسلم للّه ما هو له لا لسواه، و ليس للعبد إلا اسم العبد و للّه كل شيء، فعبد اللّه اسم ملء و إحاطة لا يدع شيئا، و لذلك أحبّ الأسماء إلى اللّه (عبد اللّه)، و (عبد اللّه) لا يتطرق إليه تعبد لشيء سواه بما حجب الخلق و أبق بهم عن استخلاص العبودية للّه، حتى لم يصحّ كمالا إلا لعبد اللّه محمد رسول اللّه؛ لأن من رغب في شيء فقد عبده و صار عبده، و المرء رقّ ما استولى عليه أمر من أمر الدنيا أو أمر من أمر الآخرة أو أمر مما سوى اللّه، فهو عبد ذلك الشيء لا عبد اللّه، حتى يكون كما قال (صلى اللّه عليه و سلّم): «تعس عبد الديا نار و عبد الدّرهم و عبد الخميصة [٦]».
[١] رواه أبو يعلى في مسنده (١/ ٤٣٣).
[٢] تقدم تخريجه.
[٣] تقدم تخريجه.
[٤] تقدم تخريجه.
[٥] تقدم تخريجه.
[٦] رواه البخاري (٣/ ١٠٥٧)، و ابن ماجه (٢/ ١٣٨٦)، و البيهقي في الشعب (٤/ ٤١).