أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ٢٦٤ - النور الواحد و الثلاثون و هو نور العبودية
حلّ له من حرمة حرمه، فدخل و على رأسه المغفر حربا، و هو (صلى اللّه عليه و سلّم) قد وضع ذقنه الكريمة على مقدمة رحله؛ تواضعا للّه عزّ و جلّ [١]، فتخلّى عن أسوأ الجلسة؛ إظهارا لهيئة التواضع لصورة العبودية، و لما خيّر بين أن يكون نبيّا عبدا أو يكون نبيّا ملكا اختار أن يكون نبيّا عبدا، بما أن العبودية للخلق حق متحقق دائم خاصّ، لم يتصف به الحقّ تعالى، فكل اسم تسمّى به الحقّ فحقّ العبوديّة التخلّي عنه؛ لأن ما تحلى به السيد فحق على العبد التخلّي عنه، فالملك اسم تعال لا يتحقّق للعبد، فاختار ما هو دائم ثابت عمّا هو زائل ذاهب، حتى أن وصف الملك إنما يبدو أمره و كثره ساعة من نهار.
كما قال الصادقون: إن ربّنا غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، و لن يغضب بعده مثله [٢]، فلم يكن في الأسماء ما يتحقّق للعبد دواما و ثباتا إلا العبد، و ما سواه اسم لظهور أمر في وقت من أيام اللّه، كما أن الاسم العظيم (اللّه) الاسم الدائم القائم الذي لا يختصّ بمثل من الخلق، و سائر أسمائه أسماء تظهر أمد الوقت.
كما قيل: رحمان الدنيا و رحيم الآخرة ملك يوم الدين.
فلما كان اسم (اللّه) العظيم هو الدائم تعين لإضافة ما هو به من أسماء الخلق، و هو اسم العبد فكان اسم العبد راتبا له دائما عليه، و كل اسم سواه خاصّ بحال أو وقت، فكانت العبودية للعبد مورد متقابلاته، فكان الماحي لاسمائه الثابت له دواما، كما كان اسم اللّه المحيط بأسمائه الدائم له كمالا، فالبادي عبد كما قال (صلى اللّه عليه و سلّم): «وكلنا لك عبد [٣]».
و هو (صلى اللّه عليه و سلّم) قلب ذلك العبد الذي منه مدده ظاهر جسمانيته و باطن روحانيته، بما هو النور الأول الذي خلق من نوره كل كائن، و لسانه المعبر عنه، و إمامه المتقدم به، و شفيعه الموصل إليه، و جميع أسمائه متشعبة من أصل عبدانيته التي اختص بها اختصاص ربّه بالإلهيّة
[١] رواه البخاري (٢/ ٦٥٥)، و أبو داود (٣/ ٦٠)، و الترمذي (٤/ ٢٠٢)، و النسائي في الكبرى (٥/ ١٧١)، و أحمد (٣/ ١٨٥).
[٢] رواه البخاري (٣/ ١٢١٥)، و مسلم (١/ ١٨٥)، و الترمذي (٤/ ٦٢٢).
[٣] رواه الدارمي في السنن (٢/ ٤١٢)، و أبو يعلى في مسنده (١/ ١٤٢).