أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ١٩٨ - و أمّا النقل
و قد قيل في تفسير قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر: ٧٥]:
أي المتفرّسين.
و في الحديث عن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم): «اتّقوا فراسة المؤمن؛ فإنّه ينظر بنور اللّه [١]».
و عن القشيري: أن الجنيد وقف عليه غلام نصرانيّ متنكرا و هو يتكلم على الناس في الجامع، فقال: أيها الشيخ، ما معنى قول النبي (صلى اللّه عليه و سلّم): «اتّقوا فراسة المؤمن؛ فإنّه ينظر بنور اللّه»؟ فأطرق الجنيد، ثم رفع رأسه، ثم قال: أسلم؛ فقد حان وقت إسلامك. فأسلم الغلام [٢].
و سئل بعضهم عن الفراسة؟ فقال: أرواح تتقلب في الملكوت، فتشرف على معاني الغيوب، فتنطق عن أسرار الخلق نطق مشاهدة و عيان لا نطق ظنّ و حسبان.
و قال الشيخ أبو عبد اللّه القرشي: العالم من نطق عن سرّك، و اطّلع على عواقب أمرك.
و قال أيضا: الولي يرى الأشياء من وراء حجاب الشرع.
و جميع هذه الأقوال مما رويناهم عنهم مشهورة مرويّة عند أهل العلم في تصانيف مشهورة كالرسالة و غيرها، و ليس القصد حصر ما قاله الشيوخ في ذلك و لا ما وقع له منه، فإن ذلك مما لا سبيل إلى نزف بحره التيّار العميق الزخار، و إنما القصد التنبيه على ذلك مع أنه لا حاجة أيضا إلى التنبيه عليه؛ فقد قام البرهان القطعي على جواز كرامات الأولياء من حيث الجملة، و هذا من جملتها، و قد تقدّم الدليل على جواز بلوغ الكرامة مبلغ المعجزة في جنسها و عظمها.
[١] رواه الترمذي (٥/ ٢٩٨)، و الطبراني في الكبير (٨/ ١٠٢)، و في الأوسط (٨/ ٢٣).
[٢] انظر: البداية و النهاية لابن كثير (١٢/ ١١٤)، و طبقات الأولياء لابن الملقن (ص ١٢٨)، و وفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ٣٧٣)، و الوافي بالوفيات للصفدي (ص ١٥٥٦)، و روض الرياحين لليافعي (ص ١١٣)، و روضة الحبور لابن الأطعاني (ص ١١٠)، و كتابنا الإمام الجنيد (ص ١٧٩)، و تاريخ بغداد (٧/ ٢٤٢)، و شذرات الذهب لابن العماد (٢/ ٢٢٨).