أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ١٧٩ - النور الثامن عشر و هو نور الأتباع
قال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً [يونس: ٥].
فهو نور بما يظهر من طمس الظلمة، و هو ظلمة بما هو باد من بوادي الخلق، حجاب من دون نور الحق.
قال (صلى اللّه عليه و سلّم) لعائشة رضي اللّه عنها و قد نظرت القمر: «استعيذي باللّه من شرّه؛ فإنّه الغاسق إذا وقب [١]»، فكلّ باد من الخلق ظلمة بوجه ما إلا محمدا (صلى اللّه عليه و سلّم) و آله.
فهو نور لكل من أمّه من الأمم بما أبدى اللّه به من نوره و طمس مما سواه، حتى شهد يبطل ما خلا اللّه، و بمحو الكفر الذي تغطيته هي الظلمة التي محاها نوره، فهو نور الأمم الذي لا يبقي لمن آمن به ظلمة من وراء نوره، و ذلك بما هو النور الأول.
كما قال (صلى اللّه عليه و سلّم): «إنّ اللّه خلقني من نور [٢]»، فهو (صلى اللّه عليه و سلّم) نور لا بقية لظلمة فيه، بما هو فان عن نفسه قائم بربّه، كما يقول هو (صلى اللّه عليه و سلّم): «ما أنا حملتكم، اللّه حملكم [٣]».
و كما قيل في أنه شعاع، نوره من أصحابه و أنصاره: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ [الأنفال: ١٧].
و كما قال: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: ١٧]، فهو (صلى اللّه عليه و سلّم) نور ليس في إنارته بقية ظلمة بما نزع اللّه ممن ائتمّ به و اتّبعه، خفيّ الشرك الباقي في خواص أمته، فصاروا أئمة، و لذلك كانوا نور الأمم الذي ينتهي إلى نوره الأنوار و يأتمّ به الأئمة، فهو نور اللّه المستمد بمدد اللّه، فلذلك هو نور لا يطفأ (صلى اللّه عليه و سلّم).
فلما كان (صلى اللّه عليه و سلّم) محيطا في خلقه بما كل خلق منه و محيطا في أمره بما كل أمر من أمره كان (صلى اللّه عليه و سلّم) مبينا أعلى أمر اللّه لأدنى خلق اللّه، فهو نور اللّه البادي الذي أرسله، و هو نور الأمم
[١] رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٨٩)، و الطيالسي في مسنده (١/ ٢٠٨).
[٢] ذكره القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢٨٦).
[٣] رواه البخاري (٦/ ٢٤٤٤)، و مسلم (٣/ ١٢٦٨)، و النسائي في الكبرى (٣/ ١٢٦)، و أحمد (٤/ ٣٩٨)، و ابن ماجه (١/ ٦٨١)، و أبو يعلى في مسنده (١٣/ ٢٢٩)، و البزار في مسنده (٨/ ٥١)، و البيهقي في الكبرى (١٠/ ٥١).