أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ١٠٦ - النور الثالث و هو نور الإدراك
بالقيام، و لا بالانصراف، فإني أراكم أمامي و من خلفى. ثم قال: و الذي نفس محمد بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا، و لبكيتم كثيرا، قالوا: و ما رأيت يا رسول اللّه، قال:
رأيت الجنة و النار [١]».
رؤيته (عليه السّلام) لأصحابه من وراء ظهره رؤية حقيقية، ثم الرؤية المذكورة في هذه الأحاديث مذهب الجمهور، و هو الصواب المختار أنها على ظاهرها، و أنها رؤية حقيقية، و إدراك حقيقيّ، اختص به (صلى اللّه عليه و سلّم)، انخرقت له فيه العادة، و على هذا عمل البخاري، فإنه أخرج هذا الحديث في علامات النبوة، و كذا نقل عن أحمد و غيره خلافا لمن حمل الرؤية فيه على الرؤية القلبية، و هي رؤية البصيرة، و إن صح أو على العلم إما بوحي بأن يوحى إليه كيفية فعلهم، و إما بإلهام بأن يلهمه اللّه تعالى حالتهم و هيأتهم، فإن ذلك بخلاف ما تظاهرت عليه الظواهر التي لا يحيلها عقل، و لا يعارضها شرع، و لو كان المراد العلم لم يقيد بقوله: (من وراء ظهري).
و منهم من حملها على أنه كان يلتفت يمينا و شمالا التفاتا يسيرا، لا يلوي فيه عنقه، يدرك به حال من وراءه، و لا يخفى ما فيه من التكلف و العدول عن الظاهر بلا موجب مع ما فيه من ارتكاب ما لا يليق بالمقام، و قد أنكره أحمد على قائله، و الظاهر أنها كانت من غير عضو و لا مقابلة، و لا شيء مما جرت به العادة بناء على مذهب أهل الحق، و هم أهل السّنة من أن الرؤية لا يشترط لها عقلا عضو مخصوص، و لا مقابلة، و لا شعاع، و لا تتوقف على ضوء، و لا على قرب، كما لا تتوقف على الآلة المخصوصة التي هي العين، و إنما هذه أمور عادية يجوز عقلا حصول الإدراك مع عدمها، و لذا حكموا بجواز رؤية اللّه تعالى في الدار الآخرة، خلافا لأهل البدع بوقوفهم مع العادة.
و جوز بعضهم كونها برؤية عينية، و إنه انخرقت له فيهما العادة أيضا، و صحّح آخرون كونها بعين خلف ظهره يرى بها من ورائه، لا يحجبها الثياب و لا غيرها، و بعض المتكلمين أن تكون بإدراك خلق له في القفا أعم من كونه في بنية أم لا أخذا من قوله في بعض الروايات: «إني لأبصار من قفايا كما أبصر من بين يدي».
[١] رواه مسلم (١/ ٣٢٠).