التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٩٨
قيل في معنى " طوعت له نفسه " ثلاثة أقوال:
احدها - شجعته نفسه على قتل أخيه في قول مجاهد. وقال قتادة زينت له نفسه قتل أخيه. وقال قوم: معناه ساعدته نفسه على قتل اخيه، فلما حذف حرف الجر نصب قوله " قتل أخيه ".
ومن قال معناه زينت نصبه كأنه مفعول به. يقال طاع لهذه الظبية اصول الشجرة، وطاع لفلان كذا أي أتاه طوعا، ويقال أيضا انطاع. ولايقال اطاعته نفسه، لان (أطاع) يدل على قصد لموافقة معنى الامر، وليس كذلك طوع، لانه بمنزلة انطاع له اصول الشجرة. وفي الفعل ما يتعدى إلى نفس الفاعل نحو حرك نفسه، وقتل نفسه. وفيه ما لايتعدى نحو أمر ونهى، لان الامر والنهي لايكون إلا ممن هو أعلى لمن هودونه.
وقال ابن عباس وابن مسعود وأبومالك وأبوجعفر (عليه السلام):
إنه قتله بصخرة شدخ رأسه بها، وقال مجاهد: لم يدر كيف يقتله حتى ظهر له ابليس فعلمه ذلك، ظهر في صورة طير، فأخذ طيرا آخر وترك رأسه بين حجرين فشدخه. وقابيل ينظر اليه ففعل مثله. وقيل هو أول قتل كان في الناس. وقوله: " فأصبح من الخاسرين " لايدل على أنه قتله ليلا، لان معناه صار من الخاسرين بقتله ليلا أو نهارا، لانه يحسن في هذا أن يقال:
أصبح، لانه بمنزلة الامر الذي بيت ليلا، فكانت ثمرته الوبال والخسران، والمعنى - ههنا - ذهاب رأس المال بهلاك نفسه. وذلك أعظم الخسران كما قال تعالى " خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة " فمعنى الآية أصبح من الذين باعوا الآخرة بالدنيا، فخسروا في ذلك وخابت صفقتهم.