التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٠٤ - الاعراب والمعنى
قوله تعالى:
(لن يستنكف المسيح ان يكون عبدالله والملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فيسحشرهم اليه جميعا) [١٧١] آية.
معنى " لن يستنكف المسيح " لم يأنف. وأصله في اللغة من نكفت الدمع:
إذا نحيته باصبعك من خدك. قال الشاعر:
فباتوا فلولا ما تذكرمنهم * من الخلف لم ينكف لعينيك مدمع
فتأويل " لن يستنكف " لن ينقبض ولن يمتنع. فمعنى الآية " لن يستكبر المسيح ان يكون عبدا " بمعنى من ان يكون عبدا لله ولاالملائكة المقربون. ومعناه ولايستنكف الملائكة أيضا، ولايأنفون، ولا يستكبرون من الاقرار لله بالعبودية، والاذعان له بذلك " المقربون " الذين قربهم ورفع منازلهم على غيرهم من خلقه.
وقال الضحاك: المقربون معناه انه قربهم إلى السماء الثانية. وقوله: " ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر " معناه من يأنف من عبادة الله، ويتعظم عن التذلل والخضوع له، والطاعة له من جميع خلقه " فسيحشرهم ". ومعناه فسيبعثهم يوم القيام جميعا يجمعهم لموعدهم عنده. ومعنى إليه إلى الموضع الذي لايملك التصرف فيه سواه، كما يقال صار أمر فلان إلي القاضي أي لايملكه غير القاضي، ولايراد بذلك المكان الذي فيه القاضي. واستدل قوم بهذه الآية على ان الملائكة أفضل من الانبياء، قالوا: لايجوز ان يقول القائل: لايأنف الامير أن يركب الي ولاغلامه. وانما
يجوزأن يقال: لايأنف الوزيرأن يركب الي ولاالامير، فيعطف بعالي الرتبة على الادون، ولايعطف بالادون على الاعلى. وهذا الذي ذكروه لادلالة فيه من وجوه:
احدها - ان يكون هذا القول متوجها إلى قوم اعتقدوا أن الملائكة أفضل من الانبياء، فاجرى الكلام على اعتقادهم، كما يقول القائل لغيره: لايستنكف ابي من