التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٧٣
لاجل نسيانهم. غير أنه ليس بعقوبة، وان كان جوابا. فكان الاغراء إنما وقع بينهم من أجل نسيانهم لحظهم من قبل أنهم نسواما ذكروابه من معرفة التوحيد، والتدين به، فصاروا إلى القول بالاتحاد والشرك والفربة عليه (تعالى) فلاجل ذلك أمرالله أضدادهم بمعاداتهم، واغرائهم بهم. فان قيل: فان الله (تعالى) ذكر النصارى في هذه الآية بنسيان حظهم ثم أجاب بالفاء في قوله: " فاغرينا بينهم " وليس يصح على هذا ان يكون أغرى بينهم من اجل ما فعله النصارى من الكفر، لانه إذا أمر اليهود بمعاداة النصارى، لاجل نسيان النصارى وكفرهم فانماهذا عن امرالله اليهود بهم، وليس باغراء بعضهم ببعض، وقوله: " فاغرينا بينهم " يدل على ان الله بعث كل واحد من الفريقين على صاحبه، وهذا يوجب خلاف قولكم؟ ! قيل: الامر على ما قلتم من أن امر اليهود بمعاداة النصارى هو إغراء لهم بهم، وليس باغراء بين النصارى، لكنه تعالى قد ذكر اليهود فيما تقدم من هذه السورة، وتكذيبهم، وفريتهم على الله، ثم ذكر النصارى، فلما جمع بين الفريقين في الذكر في
هذه السورة، وان لم يجمعهم في هذه الآية، جاز ان يذكر انه اغرى بينهم العداوة بان امر كل واحد منهما بمعاداة عدوه فيما عصى فيه. وصح الاغراء بينهم والقاء العداوة والتباعد والمنافرة، وصح أن يجعل ذلك جوابا. وقد قال البلخي جوابا آخر: وهوان يكون الاغراء بين النصارى خاصة بعضهم لبعض على ظاهر الآية، وهو أن الله تعالى نصب الادلة على ابطال قول كل فرقة من فرق النصارى، فاذا عرفت طائفة منها فساد مذهب الاخرى فيما نصب الله لها من الادلة، وان جهلت فساد مقالة نفسها لتفريطها في ذلك، وسوء اختيارها، فجاز على هذا أن يضاف الاغراء في ذلك إلى الله من حيث انه امر كل فرقة منها بمعاداة الاخرى على ما تعتقده، وان أمرها ايضا بأن تترك ما هي متمسكة به لفساده وهذا واضح بحمد الله، فان قيل: أيجوز على هذا ان يقال ان الله اغرى بين المؤمنين والكفار العداوة؟ قلنا: اما اغراء المؤمن بالكفر فصحيح، واما اغراء الكافر بالمؤمن، فليس بصحيح، لان ما عليه المؤمنون حق، وما عليه الكفار، باطل. وإنما يقال: إن الله اغرى بين