التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٩٥ - المعنى
الخلاف في هذه المسألة. واستدلت المعتزلة بهذه الآية على أن مرتكب الكبيرة مخلد في نار جهنم. وأنه اذا قتل مؤمنا، فانه يستحق الخلود، ولايعفى عنه بظاهر اللفظ. ولنا أن نقول: ما انكرتم ان يكون المراد بالآية للكفار ومن لاثواب له أصلا. فأمامن هو مستحق للثواب، فلا يجوز ان يكون مرادا بالخلود اصلا، لما بيناه فيما مضى من نظائره. وقد روى اصحابنا ان الآية متوجهة إلى من يقتل المؤمن لايمانه، وذلك لايكون إلا كافرا. وقال عكرمة، وابن جريج: ان الآية نزلت في انسان بعينه ارتد ثم قتل مسلما، فانزل الله تعالى فيه الآية، لانه كان مستحلا لقتله، على أنه قد قبل: إن قوله: " خالدا فيها " لايفهم من الخلود في اللغة الا طول اللبث، فأما البقاء ببقاء الله، فلا يعرف في اللغة، ثم لاخلاف أن الآية مخصوصة بمن لايتوب، لانه ان تاب فلابد من العفو عنه اجماعا، وبه قال مجاهد. وقال ابن عباس: لاتوبة له ولاإذا قتله في حال الشرك ثم اسلم وتاب.
وبه قال ابن مسعود، وزيدبن ثابت والضحاك. ولايعترض على ماقلناه قول من يقول ان قاتل العمد لايوفق للتوبة، لان هذا القول إن صح فانما يدل على أنه لايختار التوبة. ولاينافي ذلك القول بأنها لو حصلت، لازالت العقاب. وإذا كان لابد من تخصيص الآية واخراج التائبين عنها، جاز لنا ان نخرج منهامن يتفضل الله عليه بالعفو على ان ظاهر الآية يتضمن ان جزاءه جهنم فمن أين أن ذلك لابد من حصوله، وان العفو لايجوز حصوله؟ وهذا قول أبي مجلز وأبي صالح.
ولايدفع ذلك قوله: " وغضب الله عليه ولعنه واعدله عذابا عظيما " لان ذلك اخبار عن انه مستحق لذلك، فمن اين حصوله لامحالة؟ وقال الجبائي: الجزاء عبارة عما يفعل، وما لايفعل لايسمى جزاء. ألا ترى ان الاجير اذا استحق الاجرة على من استأجره، لايقال في الدراهم التي مع المستأجر انها جزاء عمله؟ ! وانما يسمى بذلك اذا أعطاه إياها. وهذا ليس بشئ، لان الجزاء عبارة عن المستحق سواء فعل، اولم يفعل الا ترى انا نقول: جزاء من فعل الجميل ان يقابل عليه بمثله، وان كان ما فعل بعد؟ وانما يراد انه ينبغي ان يقابل بذلك. ونقول: