التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٤٠ - المعنى
وامر به نبيه من بعده، وأوصاهم به من الاقرار بتوحيده، توعدله وتنزيهه عمالايليق به " حنيفا " يعني مستقيما على منهاجه وسبيله. وقد بينا فيما مضى معنى الحنيف، فلافائدة في إعادته، وبمثل ذلك قال الضحاك، وغيره من المفسرين.
وقوله: " واتخذالله ابراهيم خليلا " ومعنى الخليل يحتمل أمرين:
احدهما - المحبة، مشتقا من الخلة بضم الخاء والمعنى اتخذ الله ابراهيم محبا وتكون خلة ابراهيم: موالاته لاولياء الله ومعاداته لاعدائه. وخلة الله له نصرته على من اراده بسوء مثل مااراد نمرود من احراقه بالنار، فانقذه الله منها، وأعلى حجته عليه. وكما فعل بملك مصر حين راوده عن اهله، وجعله اماما لمن بعده من عباده، وقدوة لهم.
والثاني - ان يكون ذلك مشتقا من الخلة التي هي الفقر بفتح الخاء - كما قال زهير يمدح هرم بن سنان:
وان أتاه خليل يوم مسألة * يقول لاغائب مالي ولاحرم [١]
ويروى يوم مسغبة وهو الاظهر وانما انشد البلخي يوم مسألة، وهوبخلاف الروايات. وقال آخر:
واني وان لم تسعفانى بحاجة * إلى آل ليلى مرة لخليلي [٢]
أي لمحتاج. وقيل: انه أصاب أهل ناحية ابراهيم (ع) جدب، فارتحل إلى خليل له من أهل مصر يلتمس طعاما لاهله من قبله، فلم يصب عنده حاجته، فلما قرب من أهله مربمفازة ذات رمل لينة فملا غرائره [٣] من ذلك الرمل لئلا يغم أهله برجوعه بغير ميرة [٤]، فيظنوا ان معه طعاما فحول الله تعالى غرائره دقيقا، فلما وصل إلى اهله قام أهله، ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقا، فعجنوامنه، فخبزوا فاستيقظ
[١] اللسان: (حرم) و (واخلل). رفع (يقول) مع انه جواب الحزاء،، لى التقديم كأنه قال: ان اتاه خليل. أجاز ذلك سيبويه.
[٢] لم أجد البيت في مصادرنا.
[٣] الغرائر جمع غرارة - بكسر الغين - وهي الجوالق التي يوضع فيها الدخن والقمح.
[٤] الميرة الطعام أو جلبه. (*)