التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ١١١ - المعنى، واللغة، والاعراب
والجمع، كما قال الشاعر:
بها جيف الحسرى فأما عظامها * فبيض وأما جلدها فصليب [١]
ولم يقل: فجلودها، ولو قال: (فان طبن لكم عن شئ منه) أنفسا لمجاز، وكذلك ضقت به أذرعا وذراعا. فأما قوله: (بالاخسرين أعمالا) [٢] إنما جمع لئلا يوهم أنه عمل يضاف إلى الجميع، كما يضاف القتل إلى جماعة إذا رضوا به، ومالاوا عليه. ومثل الآية: أنت حسن وجها، فالفعل للوجه، فلما نقل إلى صاحب الوجه، نصب الوجه على التمييز. وقوله: (فكلوه هنيئا مريئا) فهنيئا مأخوذ من هنأت البعير بالقطران، وذلك إذا جرب فعولج به، كما قال الشاعر:
متبذلا تبدو محاسنه * يضع الهناء مواضع النقب [٣]
فالهني شفاء من المرض، كما أن الهناء شفاء من الجرب. ومعنى (فكلوه هنيئا مريئا) أي دواء شافيا، يقال منه: هنأني الطعام ومرأني: إذا صار لي دواء وعلاجا شافيا، وهنيني ومريني بالكسر، وهي قليلة، ومن قال: هناني يقول في المستقبل: يهناني، ويمراني، ومن يقول: هنأني، يقول يهنئني، ويمرئني، فاذا أفردوا قالوا:
قد أمراني هذا الطعام، ولايقولون: أهنانى، والمصدر منه هنا، مرا، وقد مرؤ هذا الطعام مرا، ويقال: هنأت القوم إذا علتهم، وهنأت فلاناالمال إذا وهبته له، أهنؤه هنا، ومنه قولهم: انما سميت هانيا لتهنا، أي: لتعطي، ومعنى قوله: (فان طبن لكم عن شئ منه) يعني من المهر، و " من " ههنا ليست للتبعيض وانما معناه لتبيين الجنس، كما قال (فاجتنبوا الرجس من الاوثان) [٥]
[١] قائله علقمة بن عبدة (علقمة الفحل) ديوانه: ٢٧، وشرح المفضليات: ٧٧٧، وسيبويه ١: ١٠٧ من قصيدة في الحارث بن جبلة بن أبي شمر الغساني حين أسر أخاه شأسا، فرحل اليه علقمة يطلب فكه. وقوله: (بها حيف الحسرى) الضمير راجع إلى المطلوب في البيت السابق، وهي آثار الطريق، والصليب الودك الذي يسيل من جلودها بعد موتها.
[٢] سورة الكهف: آية ١٠٤. [٣] قائله دريد بن الصمة. اللسان (نقب) والاغاني ١٠: ٢٢، والشعر والشعراء ٣٠٢. والنقب - بضم النون وسكون القاف وفتحها - جمع نقبه، أول الجرب حين يبدو.
[٤] سورة الحج: آية ٣٠.