الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٩ - الحقيقة والمجاز وأقسامهما
وجميع جهات التجوز ، وإن تعددت غير خارجة عما ذكرناه وإنما قيدنا الحد باللفظ ، لان الكلام إنما هو في المجاز اللفظي لا مطلقا ، وبقولنا : المتواضع على استعماله أو المستعمل في غير ما وضع له أولا تمييزا له عن الحقيقة .
وبقولنا : لما بينهما من التعلق ، لأنه لو لم يكن كذلك ، كان ذلك الاستعمال ابتداء وضع آخر ، وكان اللفظ مشتركا لا مجازا .
فإن قيل ما ذكرتموه من الحد غير جامع ، لأنه يخرج منه التجوز بتخصيص الاسم ببعض مدلولاته في اللغة ، كتخصيص لفظ الدابة بذوات الأربع ، فإنه مجاز ، وهو غير مستعمل في غير ما وضع له أولا ، لدخول ذوات الأربع في المدلول الأصلي ، ويلزم منه أيضا خروج التجوز بزيادة الكاف في قوله : * ( ليس كمثله شئ ) * ( ٤٢ ) الشورى : ١١ ) ، فإنه مجاز ، وهو غير مستعمل في إفادة شئ أصلا . ويخرج أيضا منه التجوز بلفظ الأسد عن الانسان ، حالة قصد تعظيمه ، وإنما يحصل تعظيمه بتقدير كونه أسدا ، لا بمجرد إطلاق اسم الأسد عليه ، بدليل ما إذا جعل علما له ، ومدلوله إذ ذاك لا يكون غير ما وضع له أولا . وتدخل فيه الحقيقة العرفية ، كلفظ الغائط وإن كان اللفظ مستعملا في غير موضوعه أولا . والحقيقة من حيث هي حقيقة لا تكون مجازا .
قلنا : أما الاشكال الأول فمندفع ، لأنه لا يخفى أن حقيقة المطلق مخالفة لحقيقة المقيد من حيث هما كذلك ، فإذا كان لفظ الدابة حقيقة في مطلق دابة ، فاستعماله في الدابة المقيدة على الخصوص يكون استعمالا له في غير ما وضع له أولا ، وأما الكاف في قوله تعالى : * ( ليس كمثله شئ ) * فليست مستعملة للاسمية كوضعها في اللغة ، ولا للتشبيه ، وإلا كان معناها : ليس لمثله مثل ، وهو مثل لمثيله ، فكان تناقضا فكانت مستعملة ، لا فيما وضعت له في اللغة أولا ، فكانت داخلة في الحد .