الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٩٠ - شكر المنعم واجب سمعا
أن يقال بوجوب تحصيل الحكمة لحكمة هي نفسها كما ذكروه من جلب المصلحة ، ودفع المفسدة عن النفس . ولا يمكن أن يقال مثل ذلك ففعل الشكر . فإن نفس الفعل ليس هو الحكمة المطلوبة من إيجاده ، ولو أمكن ذلك ، لأمكن أن يقال مثله في جميع الأفعال ، وهو خلاف الاجماع . وإذا لم تكن الفائدة المطلوبة من إيجاده بقي التقسيم بحالة .
قولهم : ما المانع أن تكون الفائدة هي الامن على ما ذكروه ، فهو مبني على امتناع خلو العاقل عن خطور ما ذكروه من الاحتمال بباله ، وهو غير مسلم ، على ما هو معلوم ، من أكثر العقلاء شاهدا ، وبتقدير صحة ذلك ، فما ذكروه معارض باحتمال خطور العقاب بباله على شكر الله تعالى وإتعابه لنفسه ، وتصرفه فيها ، مع أنها مملوكة لله تعالى دون إذنه من غير منفعة ترجع إليه ولا إلى الله تعالى .
وليس أحدهما أولى من الآخر ، بل ربما كان هذا الاحتمال راجحا ، وذلك من جهة أنه قد تقرر في العقول أن من أخذ في التقرب والخدمة إلى بعض الملوك العظماء بتحريك أنملته في كسر بيته ، وإظهار شكره بين العباد في البلاد على إعطائه لقمة من الخبز مع استغنائه واستغناء الملك عنها ، فإنه يعد مستهزئا بذلك الملك ، مستحقا للعقاب على صنعه .
ولا يخفى أن شكر الشاكرين بالنسبة إلى جلال الله تعالى دون تحريك الأنملة بالنسبة إلى جلال الملك ، وأن ما أنعم الله به على العبيد لعدم تناهي ملكه ، وتناهي ملك غيره دون تلك اللقمة ، فكان المتعاطي لخدمة الله وشكره على ما أنعم به عليه به أولى بالذم واستحقاق العقاب . ولولا ورود الشرع بطلب ذلك من العبيد وحثهم عليه ، لما وقع الاقدام عليه .
وما يقال من حال المشتغل بالشكر والخدمة أرجى حالا من المعرض عن ذلك عرفا ، فكان أولى . فهو مسلم في حق من ينتفع بالخدمة والشكر ، ويتضرر بعدمهما . والباري تعالى منزه عن ذلك ، فلا يطرد ما ذكروه في حقه .