الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٧٣ - مبدأ اللغات وطرق معرفتها
فإن قيل : ما ذكرتموه من الحد منتقض بما تركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى ، وهما مهملتان ، فإنه لا يكون كلاما ، وذلك كما لو أسندت مقلوب زيد إلى مقلوب رجل ، فقلت : ديز هو لجر .
قلنا : المراد من الكلمة التي منها التأليف ، اللفظة الواحدة الدالة بالوضع على معنى مفرد ، ولا وجود لذلك فيما ذكروه . غير أن ما ذكروه من الحد يدخل فيه قول القائل : حيوان ناطق ، وإنسان عالم ، وغير ذلك من النسب التقييدية .
فإنه لا يعد كلاما مفيدا ، وإن أسند فيه إحدى الكلمتين إلى الأخرى ، والوجب أن يقال : الكلام ما تألف من كلمتين تأليفا يحسن السكوت عليه .
الأصل الثاني في مبدأ اللغات وطرق معرفتها أول ما يجب تقديمه أن ما وضع من الألفاظ الدالة على معانيها هل هو لمناسبة طبيعية بين اللفظ ومعناه ، أم لا .
فذهب أرباب علم التكسير وبعض المعتزلة إلى ذلك ، مصيرا منهم إلى أنه لو لم يكن بين اللفظ ومعناه مناسبة طبيعية ، لما كان اختصاص ذلك المعنى بذلك اللفظ أولى من غيره ، ولا وجه له فإنا نعلم أن الواضع في ابتداء الوضع ، لو وضع لفظ الوجود على العدم ، والعدم على الوجود ، واسم كل ضد على مقابله ، لما كان ممتنعا ، كيف وقد وضع ذلك كما في اسم الجون ، والقرء ونحوه ، والاسم الواحد لا يكون مناسبا بطبعه لشئ ، ولعدمه . وحيث خصص الواضع بعض الألفاظ ببعض المدلولات ، إنما كان ذلك نظرا إلى الإرادة المخصصة ، كان الواضع هو الله تعالى ، أو المخلوق إما لغرض ، أو لا لغرض ، وإذا بطلت المناسبة الطبيعية ، وظهر أن مستند تخصيص بعض الألفاظ ببعض المعاني إنما هو الوضع الاختياري