الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٣ - المبادئ اللغوية
القسم الثاني في المبادئ اللغوية كنا بينا فيما تقدم وجه استمداد الأصول من اللغة ، فلا بد من تعريف المبادئ المأخوذة منها . ولنقدم على ذلك مقدمة فنقول :
اعلم أنه لما كان نوع الانسان أشرف موجود في عالم السفليات ، لكونه مخلوقا لمعرفة الله تعالى التي هي أجل المطلوبات ، وأسنى المرغوبات ، بما خصه الله به من العقل الذي به إدراك المعقولات ، والمميز بين حقائق الموجودات ، على ما قال ، عليه السلام حكاية عن ربه : كنت كنزا لم أعرف ، فخلقت خلقا لا عرف به .
ولما كان هذا المقصود لا يتم دون الاطلاع على المقدمات النظرية ، المستندة إلى القضايا الضرورية ، المتوسل بها إلى مطلوباته وتحقيق ما جاء به ، وكان كل واحد لا يستقل بتحصيل معارفه بنفسه وحده دون معين ومساعد له من نوعه ، دعت الحاجة إلى نصب دلائل يتوصل بها كل واحد إلى معرفة ما في ضمير الآخر من المعلومات المعينة له في تحقيق غرضه . وأخف ما يكون من ذلك ما كان من الأفعال الاختيارية ، وأخف من ذلك ما كان منها لا يفتقر إلى الآلات والأدوات ، ولا فيه ضرر الازدحام ، ولا بقاء له مع الاستغناء عنه ، وهو مقدور عليه في كل الأوقات من غير مشقة ولا نصب . وذلك هو ما يتركب من المقاطع الصوتية التي خص بها نوع الانسان دون سائر أنواع الحيوان ، عناية من الله تعالى به .
ومن اختلاف تركيبات المقاطع الصوتية حدثت الدلائل الكلامية ، والعبارات اللغوية .