الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٧٠ - الاختلاف في اشتمال القرآن على مجاز وكلمات غير عربية
والحق ما ذكره القاضي ، لأنه لا سمع قبل البعثة يدل على عصمتهم عن ذلك والعقل دلالته مبنية على التحسين والتقبيح العقلي ، ووجوب رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى ، وذلك كله مما أبطلناه في كتبنا الكلامية .
وأما بعد النبوة ، فالاتفاق من أهل الشرائع قاطبة على عصمتهم عن تعمد كل ما يخل بصدقهم فيما دلت المعجزة القاطعة على صدقهم فيه من دعوى الرسالة والتبليغ عن الله تعالى .
واختلفوا في جواز ذلك عليهم بطريق الغلط والنسيان ، فمنع منه الأستاذ أبو إسحاق وكثير من الأئمة ، لما فيه من مناقضة دلالة المعجزة القاطعة . وجوزه القاضي أبو بكر ، مصيرا منه إلى أن ما كان من النسيان وفلتات اللسان غير داخل تحت التصديق المقصود بالمعجزة ، وهو الأشبه .
وأما ما كان من المعاصي القولية والفعلية التي لا دلالة للمعجزة على عصمتهم عنها ، فما كان منها كفرا فلا نعرف خلافا بين أرباب الشرائع في عصمتهم عنه ، إلا ما نقل عن الأزارقة من الخوارج أنهم قالوا بجواز بعثة نبي علم الله أنه يكفر بعد نبوته ، وما نقل عن الفضلية من الخوارج أنهم قضوا بأن كل ذنب يوجد فهو كفر ، مع تجويزهم صدور الذنوب عن الأنبياء . فكانت كفرا .
وأما ما ليس بكفر ، فإما أن يكون من الكبائر ، أو ليس منها . فإن كان من الكبائر ، فقد اتفقت الأمة ، سوى الحشوية ومن جوز الكفر على الأنبياء ، على عصمتهم عن تعمده من غير نسيان ولا تأويل ، وإن اختلفوا في أن مدرك العصمة السمع ، كما ذهب إليه القاضي أبو بكر والمحققون من أصحابنا ، أو العقل ، كما ذهب إليه المعتزلة .
وأما إن كان فعل الكبيرة عن نسيان أو تأويل خطأ ، فقد اتفق الكل على جوازه ، سوى الرافضة .