الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٨٥ - مبدأ اللغات وطرق معرفتها
الأول : اتفاق العقلاء على حسن الصدق النافع ، وقبح الكذب المضر ، وكذلك حسن الايمان ، وقبح الكفران ، وغير ذلك ، مع قطع النظر عن كل حالة تقدر من عرف أو شريعة ، أو غير ذلك ، فكان ذاتيا والعلم به ضروري .
الثاني : إنا نعلم أن من استوى في تحصيل غرضه الصدق والكذب ، وقطع النظر في حقه عن الاعتقادات والشرائع وغير ذلك من الأحوال ، فإنه يميل إلى الصدق ، ويؤثره ، وليس ذلك إلا لحسنه في نفسه ، وكذلك نعلم أن من رأى شخصا مشرفا على الهلاك وهو قادر على إنقاذه ، فإنه يميل إليه ، وإن كان بحيث لا يتوقع في مقابلة ذلك حصول غرض دنياوي ولا أخروي ، بل ربما كان يتضرر بالتعب والتعني . وليس ذلك إلا لحسنه في ذاته .
وأما من جهة الالزام : فهو أنه لو كان السمع ، وورود الأمر والنهي ، هو مدرك الحسن والقبح ، لما فرق العاقل بين من أحسن إليه ، وأساء ، ولما كان فعل الله حسنا قبل ورود السمع ، ولجاز من الله الامر بالمعصية ، والنهي عن الطاعة ، ولجاز إظهار المعجزة على يد الكذاب ، ولا امتنع الحكم بقبح الكذب على الله تعالى قبل ورود السمع ، ولكان الوجوب أيضا متوقفا على السمع . ويلزم من ذلك إفحام الرسل من حيث إن النبي إذا بعث وادعى الرسالة ، ودعا إلى النظر في معجزته ، فللمدعو أن يقول : لا أنظر في معجزتك ، ما لم يجب علي النظر .
ووجوب النظر متوقف على استقرار الشرع بالنظر في معجزتك وهو دور والجواب ، عن الأول :
أن ما ذكروه من الصفات فأمور تقديرية ، فمفهوم نقائضها سلب التقدير ، والأمور المقدرة ليست من الصفات العرضية ، فلا يلزم منه قيام العرض بالعرض .
فإن قيل مثله في الحسن والقبح ، فقد خرج عن كونه من الصفات الثبوتية للذات ، وهو المطلوب ، وعن المعارضة الأولى بمنع إجماع العقلاء على السن والقبح فيما ذكروه . فإن من العقلاء من لا يعتقد ذلك ، كبعض الملاحدة ، ونحن أيضا